الإنتحاري وصورة الحمراء والكوستا وصباح الشامخة

22 كانون الثاني 2017 | 16:46

المصدر: "النهار"

كتب أحد الشعراء مخاطباً الإنتحاري الذي كان يستهدف مقهى الكوستا: لن تقتل في المقهى سوى مجموعة من البائسين أمثالي ممن لا يهتم لهم احداً ولا يثيرون انتباه أحد، فاترك لنا هذا الملجأ الأخير... أو ربما تنزع حزامك الناسف وتأتي لاحتساء القهوة معنا. فأنا أعرف تماماً أنك بائس وحزين... ولك منا الوعد بأن نعلمك كيف تصفن في اللاشيء، وأن تكتب قصيدة عن الحور العين وربما رواية لتوقعها في المقهى ونحتفل معاً إلى يوم الدين.
إعتقل الإنتحاري الذي كان يريد قتل الناس في شارع الحمراء. كان يريد تفجيرهم عشوائياً. لكن لا أحد يعرف تماماً ما إذا كان سيفجر المقهى ذاته، أم أنه كان محطته الأولى للإنتقال الى مكان أكثر اكتظاظاً بالجالسين في مقهى، أو الراقصين في ملهى أو الآمنين في الشارع. إلا أن الحصيلة واحدة لو أنه تمكن من تفجير نفسه، فهو لا يعرف من يقتل ولا قيمة المكان الذي سينتقل منه الى "الحور العين" ليحتفل هناك بالقتل.


الأكيد أن المجرم وقبله مجرمون كثر فجروا أنفسهم وقتلوا الأبرياء في مناطق لبنانية كثيرة، لا يعرفون حقيقة المكان ولا تاريخه، هم ينفذون فقط القتل والإنتحار في بلاد الله الواسعة. الأكيد أن الإنتحاري لا يعرف الكوستا في الحمراء ولا يكترث لصورة صباح المرأة التي تنتصب شامخة على حائط المبنى الذي يضم المقهى المستهدف، فهو لا يعرف صباح ولم يستمع لأغانيها ولا يهمه تراث البلد وتاريخه، كما لا يعرف أيضاً ولا يكترث لشارع طالما احتضن كل الناس، الشعراء والمثقفين والتجار والمهمشين والمنبوذبين والمناضلين والسياسيين والفنانين واللاجئين، وهو الشارع الذي كان بطقوسه يعبر عن لبنان التنوع وتلك المرحلة من نهوضه وعصره الذهبي. هذا الإنتحاري لا يكترث إلا للقتل ليضع بصمته في شارع أو مقهى لو قدر له أن ينفذ تفجيره لكان أطلق رصاصة الرحمة على ما تبقى من تاريخ هذا الشارع والحياة فيه.
لا يهتم الإنتحاري للناس، المهم أنه يريد قتلهم، هو تسلل ليلاً كي لا يشعر أن الناس يرونه، وأن صباح الشامخة تنظر بأسى إليه، قبل أن تتذكر مقهى "الهورس شو" الذي كان منذ عام 1959 كأول مقهى رصيف في الشارع وملتقى للمثقفين اللبنانيين والعرب على اختلاف مشاربهم وعقائدهم وأحلامهم، قبل أن يقفل في التسعينات من القرن الماضي، ويعود في المكان نفسه مع الكوستا. وهذا القاتل لا يعرف أن ساحات النقاش والإنفتاح كانت تحتضنهما مقاهي المودكا والويمبي وكافيه دو باري و إكسبريس" و"مانهاتن" و"نيغرسكو" و"إلدورادو" و"ستراند"، وحولهما صالات السينما، من الحمراء الى الكوليزيه والسارولا والأورلي وقصر البيكاديللي الشاهد على تاريخ لبنان والمحتضن للفن والتراث والموسيقى والمسرح اللبناني، إلى مقاه وحانات لم تعد موجودة، فطواها التاريخ بعدما كانت الماضي الجميل.


لا يعرف الإنتحاري كل ذلك، هو جاء من بيئة متطرفة، وتعلّم القتل ونبذ الآخر. لم يتعلم إلا تلك الطقوس التي تتناقض مع شارع الحمراء وحياة الإنفتاح والتواصل مع الآخر. وإن كانت الحمراء اليوم تختلف عن السابق، إلا أن الزائر لمقاهيها ولشوارعها لا يستطيع أن يخبئ حنينه لذلك الزمن الجميل والماضي الذي لا يستطيع أحداً محوه من ذاكرتنا بطقوسه وإشاراته وقصيدته التي ملأت حناياه وزواياه التي تحول جزء منها محال تجارية، ففقدت دفئها، وتفرق عشاقها، لكنها لم تحتضر، إذ بقي الشارع بتاريخه جاذباً لكل الناس والفئات، ومن بينهم الشعراء والمثقفين.


لا يكترث الإنتحاري مثلاً لمقهى الويمبي الذي نفذت فيه عملية استهدفت ضباط الإحتلال الإسرائيلي في أيلول 1982 للقول لهم أن الحمراء ولبنان عصيان على الإحتلال. فكم هي المسافة شاسعة بين من نفذ عملية ضد جنود الاحتلال في الويمبي وكان المقهى مكتظاً، وبين قاتل يريد قتل الناس والمواطنين في مقهى يجمع كل الطوائف والمذاهب والملل. القاتل لا يكترث طالما أن تربيته أقنعته أنه ذاهب الى ذلك الحور، وطريقه لا تسلك إلا بقتل الأبرياء.
ربما لم يعد شارع الحمراء نخبوياً، وربما اذا ذكرنا أسماء من كان هذا الشارع بيتهم لن نتوقف عن الكتابة، لكن مئات الكتّاب والشعراء والأدباء كانوا لا يستطيعون العيش من دون هذا الشارع، فها هو أنسي الحاج لا يغادره، ومحمد الماغوط ومحمود درويش وعمر أبو ريشة ونزار قباني، وغيرهم الكثير، وها هي صباح تنظر الى الشارع التي عادت إليه شامخة، فهو سيبقى ذاكرة المدينة وروحها، والتي ما عادت تشبه نفسها، إلا أن الأنسانية ستبقى تقف في وجه هذا القتل والإنتحار.
ibrahim.haidar@annahar.com.lb
twitter: @ihaidar62

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard