آمات اسكالانتيه، أفضل مخرج في كانّ والبندقية: المكسيك غارقة في الظلمات

20 كانون الثاني 2017 | 17:10

المصدر: "النهار"

أليخاندرا في "منطقة بريّة" لأمات اسكالانتيه.

في أيلول الماضي، جاء آمات اسكالانتيه إلى مهرجان البندقية متأبطاً "المنطقة البريّة"، فيلمه الرابع. نصّ صادم يثير الاضطراب والريبة، أسّس لسوء فهم وحيرة عند كثر. تجلى ذلك بوضوح في بعض الصيحات التي سُمعت أثناء العرض الصحافي. الاستهجان الذي عبّر عنه بعضهم متوقع، وعلى السينمائي المكسيكي الجريء تقبّله برحابة صدر، كونه لم ينجز فيلماً وسطياً، بل تطرّف كثيراً لحظة قرر إدخال عناصر من علم الخيال الفانتازي في سياق نصّ اجتماعي واقعي. منذ فيلمه الأول، "دم" (٢٠٠٥)، وضع اسكالانتيه المجتمع المكسيكي وتمزقاته هدفاً لفكره النقدي. إلا أنّ "المنطقة البريّة" ينكأ الجرح بشكل أعمق، هو لا يداويه بقدر ما يُلقي عليه بعض السائل المسكّر. سينماه نيئة، قاسية، مزعجة، ليس للكلّ القدرة على تحمّلها. أمر بديهي وقد تدرّب على يد كارلوس ريغاداس، مكسيكي آخر تُحدث أفلامه ردوداً متضاربة.

تجري الأحداث في مدينة مكسيكية هي خواناخواتو. لقطة الافتتاحية تصوّر حركة الكواكب التي تثير الغرائز الجنسية. أليخاندرا هي الشخصية الرئيسية، إنها أمٌ لولدين وزوجة رجل ذكوري يضاجعها من الخلف صباحاً بلا أيّ مشاعر. كم ستكون الدهشة كبيرة عندما نكتشف انه يمارس الجنس مع شقيق زوجته، طبيب مثلي نتابع في مَشاهد منفصلة لقاءه فتاة اسمها فيرونيكا بعدما لجأت إليه ليعالجها من عضّة كلب. فيرونيكا هذه ستتعرّف إلى مخلوق لزج بأرجل وأيادٍ عدة يوفر المتعة الجنسية!

في البندقية، أُسند اسكالانتيه عن "المنطقة البرّية" جائزة "الأسد الفضّة" (أفضل مخرج)، وكان فاز في كانّ، قبلها بثلاث سنوات، جائزة الإخراج عن "هَلي"، عمل يغوص في كارتيلات المخدّرات المكسيكية. وهو على أعتاب الأربعين، يبدو اسكالانتيه من السينمائيين الملهمين المتمسكين في صناعة صورة لبلادهم بعيداً من الأنماط السائدة. في الآتي، حوارنا معه.

اسكالانتيه في مهرجان البندقية.

* مدينة خواناخواتو التي تصوّرها في الفيلم هي مسقطك، وهي مدينة محافِظة ذات غالبية من المتدينين الكاثوليك. نرى الصليب في الكثير من الأماكن، على جدران المنازل، الخ.
- الفيلم في ذاته ردّ فعل على هذه البيئة الإجتماعية. انفعال على طريقتي الخاصة. أرجّح انه لم يكن من الممكن موضعة الحوادث في مدينة أخرى في المكسيك. أو بالأحرى، كانت تعذرت موضعتها في مدينة مكسيكو. كان ينبغي للحوادث أن تدور في مناطق لا يزال الناس فيها يتعاطون مع الاختلاف الجنسي بهذه الطريقة المتعصّبة. أعرف هذه البيئة جيداً، ترعرعتُ فيها، وهي التي ألهمتني لإنجاز "المنطقة البريّة". علماً اني كنت على الأرجح أنجزتُ فيلماً كهذا لو تربيتُ في بيئة أخرى. فبيئتنا في الحقيقة لا تختلف كثيراً عن البيئات المكسيكية الأخرى، باستثناء المدن الكبرى حيث الناس أكثر ليبيرالية وانفتاحاً.

* ماذا عن مشهد الجنس الجماعي بين الحيوانات؟ كيف خطر لك مشهد كهذا؟

- تبلور خلال كتابة السيناريو. هناك صورة حضرت إلى ذهني. فحاولتُ أن أجسّدها. كنت سأتراجع عن المشهد إن لم أنجح. عندما أتتني الصورة، لم أصرخ "أووو، لديّ فكرة وأريد تصويرها"، بل تريثتُ وأمهلتها الوقت الكافي كي تتخمّر في رأسي ويكون لها معنى في سياق الفيلم ككلّ. أساساً، في هذه المنطقة شيء يجذب الجنس ويثير الرغبات.

* أكثر من شخص ربط الفيلم بـ"تملّك" لأندره جوافسكي. هل شاهدته؟

- أتذكّر ان والدي شاهده وقال لي وقتها إنه لم يستطع ان يشاهد أي فيلم من بعده لمدة سنة. كنت شاباً يافعاً آنذاك. بعد سنوات اكتشفتُ الفيلم، لم يكن سهلاً العثور عليه. شاهدته وترك فيّ انطباعاً كبيراً. يحلو لي الظنّ ان هذا المخلوق الذي نراه في الفيلم كان ممثلاً يجسّد دوراً في فيلم جوافسكي والآن هو يمثّل في فيلمي.

* هل لوالدك علاقة بعالم السينما؟
- لا. إنه رسامٌ، موسيقيّ. عموماً هو فنّان.

* أنت أيضاً ترسم بالكاميرا...
- (ضحك). لم أتعلّم يوماً لا العزف ولا الرسم. لكن لوحات والدي أثّرت فيَّ كثيراً. هو يضطلع بدور الرجل الذي في الكوخ. إنه السنيور فيغا.

* ما رأيه بما يحصل داخل الكوخ؟
- طرح الكثير من الأفكار والنظريات. لم يكن مصدوماً البتة، لأن رسوماته صادمة ويطغى عليها طابع جنسي.

"خضوع البعض لأوامر المجتمع يخلق فيهم وحشاً".

* هل أنت متفّق معي انك كنتَ هذه المرة أكثر راديكاليةً في مقاربتك للواقع المكسيكي من المرّات السابقة.
- أكثر من الفيلم الأخير؟ بالنسبة لي، المكسيك غارقة اليوم في الظلمات. كلّ بلد لديه مشكلاته الخاصة، لكني اليوم أرى ان المكسيك تخبّئ وحشاً؛ هناك كمّ هائل من الجرائم تُرتكب في رعاية الحكومة، كالطلاب الـ٤٣ الذين خُطفوا ثم اختفوا قبل نحو سنتين. هذان التعصّب والعنف عندما ينزلان عليك من فوق، أي من مصدر رسمي، تكون عواقبهما وخيمة. ثمة الكثير من الكبت في المكسيك، كبت يأتي من عدم القدرة على التغيير، وهذا الاحساس ينعكس على الفنون، من سينما وأدب وموسيقى.

* أيصحّ القول ان الكاثوليكية تعبر أزمة في المكسيك؟

- جهات دينية كثيرة تعلّمت الدرس: اليوم هؤلاء يدركون جيداً أنهم اذا هاجموا عملاً فنياً لا يستسيغونه، فسيساهم الهجوم في انتشاره ونجاحه. لذا سيحصدون نقيض ما يزرعون. لا يهمّني كثيراً رأي الكنيسة في عملي، ما يهمّني حقاً أن أكون صادقاً مع نفسي. لا يمكنني أن أكذّب على نفسي لمسايرة الآخرين ولمراعاة سياسات أخلاقية سائدة. وبالأخلاقيات أقصد ما تلتزمه العائلات، من ضرورة الزواج وإنجاب الأطفال والذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد. في المقابل، لا أعتقد ان الفيلم وعظ. بالعكس أردته مناهضاً لتلك التابوهات والثوابت التي يفرضها المجتمع على الفرد. نرى مثل هذه النماذج البشرية في الفيلم بحيث ان خضوعهم لأوامر المجتمع يخلق فيهم وحشاً.

* ألا يزال الوقوف خلف الكاميرا كما كان في أول وقفة لك، أم انك اعتدت الأمر؟

- بصدق، إلى حدّ ما، كأنني أصوّر للمرة الأولى. قدّمتُ أصنافاً مختلفة من الأفلام. الاخراج مخاضٌ دقيقٌ جداً. كلّ فيلم يتطلّب منك سنتين من العمل. عندما يولد وتحمله إلى المهرجان، تشعر بالسعادة، لكن السعادة لا تنفي وجود الألم. الاستقبال والردود على الفيلم شيء مؤلم جداً؛ فأنت تكون قد أمضيتَ سنوات طويلة لإنجازه، وقد يتم القضاء عليه بجملة. مع هذا الفيلم، ليس لي شعور بأن هناك رغبة من النقّاد في تدميري، مع ذلك تبقى عملية استقبال فيلم شيئاً حساساً جداً.

* تبدو مرهفاً، تبدو أبعد ما يمكن عن شخصياتك...
- (ضحك). أعتقد ان كلّ شيء في الرأس. خلال العمل، لستُ طاغية، لا أغضب. المخرج ليس كمَن يجري عملية قلب مفتوح لمريض. لو تعلّق الأمر بإنقاذ حياة إنسان لوجدتني أكثر دقّة وصرامة. السينما ليست بتلك الجديّة.

* هل تتبع السيناريو في أدق تفاصيله، أم ترتجل أحياناً...
- (مممم). أجري الكثير من التمارين مع الممثلين، ونقوم ببعض التعديلات قبل التصوير، ومرّات خلال التصوير، لكنني أرتجل أيضاً مع الفريق التقني. أقترح حلولاً جديدة وأنا أرى اشراقة شمس جميلة أو يعجبني شكل الغيوم مثلاً، فأقول للفريق: "هيّا بنا نصوّر". أحبّ الحفاظ على نضارة العمل وطزاجته. يجب أن نرتجل على الأقل شيئاً واحداً كلّ يوم، كي يبقى التصوير ملهماً.

"هَلي" (٢٠١٣).

* كيف تمّ التصوير مع المخلوق؟
- (ابتسامة). كانت عملية جدّ تقنية. منذ فيلمي "الأوغاد - لوس باستاردوس"، التقطتُ الكثير من المَشاهد التي تتطلب المؤثرات، ويجب أن تكون دائماً قابلة للتصديق وإلاّ انهار الفيلم برمته. لديّ خبرة في التلاعب الرقمي، ولكن لم أبلغ قطّ هذا الحدّ. جزء من المخلوق في الفيلم كان حقيقياً، وكنّا نتعامل معه كشيء مادي، البقية لعبة إضاءة. لولا الإضاءة الحسنة لما بدا المشهد حقيقياً. لو أننا فشلنا في تقديم المخلوق بصورة جيدة، لكان الفيلم سينقصه الكثير. في الحقيقة، من دون ذلك المشهد، لما استطعتُ إنجاز الفيلم، كان عليّ إعادة كتابته.

* عادةً، كيف تُستقبل أفلامك في المكسيك؟
- فيلمي السابق عُرض في 30 صالة. وهذا رقم ليس بكبير قياساً بحجم البلد. واستقطب نحو 100 ألف مشاهد. لا تنسى أنه فيلم "صعب". والآن هو متوافر في كلّ مكان بالنسخة المقرصنة. أينما تذهب تجده، وهذا يعني أن الطلب عليه موجود.

* ما رأيك بالسينمائيين المكسيكيين الذين يعملون في هوليوود؟ أتجد نفسك تحذو حذوهم يوماً ما؟
- أعتقد لا. أحترم كثيراً خياراتهم، كون نجاحاتهم خارج بلدهم انعكست إيجاباً على المخرجين في المكسيك. لطالما دعمونا بشكل مباشر، عبر مشاهدة أفلامنا وإعطاء التصريحات للصحافة عن فيلم لفتهم أو عن مخرج شاب آمنوا به. هذا جيد جداً. أراهم يتحرّكون ويتفاعلون مع الحوادث. الآن مثلاً، زار دونالد ترامب المكسيك والتقى الرئيس المكسيكي، علماً ان ترامب تكلّم عنا بالسوء مراراً وهو يهاجمنا منذ عام، ومع ذلك لم يقل له رئيسنا أي شيء. استمع إليه وهو يصرّح بأنه سيبني جداراً، الكلّ شعر بالذلّ والخيبة. ساد اقتناع عام بعد الزيارة بأن ترامب محق في بناء الجدار، كي يحمي بلاده من المهاجرين المكسيكيين ممّن نعتهم بالمغتصبين واللصوص والقتلة. اينياريتو وأرياغا، اثنان من المخرجين الثلاثة المهمين من أصول مكسيكية في الولايات المتحدة، أعلنوا استياءهم واتهمّوا الرئيس بالخيانة. فهو، كأعلى مرجعية في البلاد، من المفترض ان يمثّل الشعب. والشعب المكسيكي يكره ترامب.

"الأوغاد" (٢٠٠٨).

* هل تعتقد ان هناك فوبيا اللاتينيين اليوم في الولايات المتحدة؟
- ترامب وظّف تلك الفوبيا. هي في الأساس موجودة، لكنه أجاد كيفية تسليعها. هذا تكنيك قديم: إثارة الذعر، الذعر من الجار، من أن يغزوك القريب قبل البعيد. الذين يحبّون ترامب هم العنصريون. ليس هناك أي دليل على كلّ ما يقوله عن كون المكسيكيين قتلة وسفلة. الحقيقة انهم يساعدون الاقتصاد لأنهم يقومون بعدد كبير من المهام التي لا يقوم بها الآخرون. ترامب يبيع الأوهام، وفي الولايات المتحدة الكثير من الأغبياء وبسطاء العقل. هو ليس غبياً لأنه يعرف كيف يضحك عليهم. العلاقة بين البلدين في الواقع مختلفة تماماً عن العلاقة في السياسة. يقيم في المكسيك الكثير من الأميركيين، وخصوصاً في المدينة التي أسكن فيها (خواناخواتو). إنها مدينة سياحية. يأتون إليها من تكساس وكندا، سواء للإقامة أو الزيارة. أمّي من الولايات المتحدة، التقت أبي في خواناخواتو في السبعينات. هناك مدينة مجاورة كلها أميركيون، تكاد تكون مستعمرة تكساسية.

* ثمة فيض من الذكورية في الفيلم، وبدا لي كأن النساء يهربن من الرجال بحثاً عن ملذّات فردية...
- في النهاية، هذا فيلم عن التوق إلى الحرية التي تعيشها الزوجة، أليخاندرا، وهي نموذج سائد للمرأة في المكسيك. حتى زوجها هو نموذج سائد للرجل المكسيكي. هو واثق من رجولته لكنه في الوقت نفسه يعيش اضطراباً نفسياً لأنه ينكر حقيقة أنه يميل إلى الرجال. هناك نظرية آمن بها: إذا كنتَ لا تحبّ النساء والمجتمع لا يقبل فكرة أنك لا تحبّ النساء، فستلحق الأذى بهن. حتى لو أمضيتَ حياتك تدّعي بأنك رجل. هذا ما حاولتُ إظهاره في الفيلم.

* عموماً، شخصياتك تعيش نزاعاً بين المتعة والألم... الرجل يتلذذ بما يقوم به، لكنه يتألم أيضاً من الداخل. هل كنت تعي هذا الجانب؟
- هذا شيء ديني كاثوليكي جداً. الجنس في الكاثوليكية مرتبط بالعقاب. في ظلّ عقيدة كهذه، يصبح الجنس شيئاً وسخاً يجب إبعاده، على شكل المخلوق الذي نراه.

* هناك الكثير من التفاصيل المقززة في الفيلم (دمّ، بصق، إلخ). هل هذه طريقتك لبلوغ واقعية معينة؟
- أردتُ ان يشعر المُشاهد بقربه من الأشياء، أن يشتمّها. الفيلم مادي جداً؛ لا يجدر بك التفكير بقدر ما يجب عليك الشعور. هناك الكثير من التفاصيل التي يصعب ادراجها في منطق، بل يكفي شرحها من منطلق بصري.

 

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard