أولويات برسم العهد الرئاسي اللبناني الجديد

17 كانون الثاني 2017 | 00:00

في إطار سلسلة مقالات تسلّط الضوء على التحديات الرئيسية التي تواجه لبنان، جمع المركز اللبناني للدراسات آراء كبار الخبراء حول ما ينبغي أن تكون أولويات الحكومة الجديدة. تتناول هذه المقالة مسائل مركزية لتعزيز الحكم الرشيد، وعلى وجه الخصوص تعزيز المساءلة من خلال اعتماد قانون انتخابي عادل واللامركزية الإدارية واتخاذ تدابير قوية لمكافحة الفساد.

 

لن نبالغ اذا قلنا ان النظام الانتخابي اللبناني هو الأسوأ في العالم، فهو يعتمد مبدأ اللوائح ولكن ضمن النظام الاكثري لا النسبي، مما يسمح لأوليغارشية طائفية صغيرة باحتكار السيطرة على مجلس النواب والنظام السياسي عامة، ويضع العقبات التي تحول دون نشوء أحزاب أو قيادات سياسية بديلة. ويكمن الحل في اعتماد التمثيل النسبي، إما من خلال النظام المختلط الذي اقترحته الهيئة الوطنية الخاصة بقانون الانتخابات النيابية برئاسة الوزير فؤاد بطرس في العام 2006، أو من خلال اقتراحات أخرى تقدمت بها مجموعات وأحزاب مختلفة منذ ذلك الوقت. ولا شكّ في أن المجموعة الحاكمة ستقاوم هذا الخطر الذي يهدد هيمنتها، ولكن بدون هذا الإصلاح ليس من وسيلة للمضيّ قدماً في مسار التطور السياسي في البلاد.


أما بما يتعلق باللامركزية، ففي لبنان حكومة مركزية ونحو ألف مجلس بلدي محلي. ما ينقص لبنان وتتمتّع به معظم الجمهوريات المتقدمة، هو الادارة اللامركزية على مستوى المناطق. وفي حالة لبنان، من المنطقي والطبيعي أن تكون هذه الادارة اللامركزية الوسطى على مستوى الأقضية. وليس من قبيل الصدفة غياب اللامركزية الإدارية الفعّالة في لبنان، إذ لطالما قاومت الأوليغارشية المذكورة أعلاه أي جهود مبذولة باتجاه اللامركزية. فهي قد مانعت تنظيم الانتخابات البلدية بعد انتهاء الحرب اللبنانية، وقد استدعى الأمر قيام المجتمع المدني بحملة " بلدي، بلدتي، بلديتي " في العام 1997 لإرغام مجلس النواب والحكومة على الرضوخ.


في الواقع، تبغض النخبة الحاكمة السماح بقيام مجالس ورؤساء مجالس منتخبين وممكّنين بالموارد والصلاحيات على مستوى الأقضية، لاسيما أنّ هؤلاء من شأنهم أن ينافسوا القلّة الحاكمة على النفوذ والمكانة. ولكن ليس من سبيل لإطلاق عجلة النمو المناطقي والاستفادة من طاقات وتنوع اللبنانيين في كل مناطقهم ما لم يتم تمكين المواطن والإدارات على مستوى الأقضية. يوجد مشروع قانون حول اللامركزية الإدارية جرى إعداده خلال فترة ولاية الرئيس ميشال سليمان تحت إشراف وزير الداخلية الأسبق زياد بارود، وكل ما يحتاجه هذا المشروع هو تحويله إلى قانون وتنفيذ أحكامه.
ومع ذلك، فإنّ أي محاولات للتطّور أو للتوصّل إلى الحكم الرشيد ستبقى عقيمة ما لم تتم مواجهة شرسة وعميقة لسرطان الفساد. كثيرة هي الدول حيث الفساد هو "واقع حياتي"، أما في لبنان فالفساد هو "أسلوب حياة". وإذا كان للقلّة الحاكمة أن تقاوم الإصلاحات الأولى والثانية المذكورة أعلاه، فهي ستقاتل حتى الموت للإبقاء على قنوات الفساد وآلياته.
كثيرة هي الدول التي سعت الى مكافحة الفساد، وبعضها نجح في رفع هذا التحدّي. ومنها على سبيل المثال سنغفورة أو كوسوفو؛ أو حتى في افريقيا، بوتسوانا أو ليبيريا في عهد الرئيسة سرليف. المهمة صعبة، ولكن ليست مستحيلة.


إن تحدي مواجهة الفساد يتطلب أولاً قراراً وطنياً يجزم على أنّ محاربة الفساد هي أولوية وطنية ملحّة بقدر أهمية الحرص على أمننا الوطني، وتعليم أولادنا، والحفاظ على اقتصادنا. ثانياً، لا بدّ من سنّ تشريعات جديدة – وربما إدخال مواد دستورية جديدة - تحدد بشكل واضح جرائم الفساد المختلفة والعقوبات المتشددة المتعلقة بها، كما وسلطات إنفاذها. ثالثاً، لا بدّ من إنشاء مؤسسة وطنية مستقلة ومفوّضة لمكافحة الفساد، على أن تتمتّع بالحرية، والسلطة، والموارد التي تسمح بجمع المعلومات للتحقيق في جميع أشكال الفساد في أي وظيفة عامة بدءاً من الرئاسة ونزولاً. رابعاً، يجب تعزيز السلطة القضائية وتمكين المحاكم والقضاة المعنيين للتركيز على قضايا الفساد في القطاع العام. أخيراً، لا بدّ من إنشاء قوة شرطة خاصة تعمل تحت إشراف السلطة القضائية، بغية اعتقال المسؤولين الفاسدين، أياً تكن رتبتهم.


قد يقول البعض إنّ مكافحة الفساد هو حلم بعيد المنال؛ كذلك هو حلم بناء لبنان أفضل؛ لا بدّ من أن يتحقّق هذان الحلُمان بالتوازي.
اقترحت في هذه المقالة ثلاثة عناصر إصلاحية لتعزيز التمثيل واللامركزية ومحاربة الفساد. هذا لا يعني أن هذه هي الاصلاحات الوحيدة الملّحة، بل المقصود أنّ هذه الإصلاحات الرئيسية يمكن أن تؤدي إلى تحوّل إيجابي في الحوكمة في جمهوريتنا الصغيرة. وأنا أتقدم بهذه الاقتراحات بدون آمال كبيرة في رؤية الطبقة الحاكمة الحالية تتبنى أو تنفّذ أياً منها. أودّ أن أشير فقط إلى أن طريق الاصلاح واضح وبسيط المعالم، ولو أن تحقيق الاصلاح أمر تعترضه مصالح أوليغارشية قوية.


وكلما كنّا كإصلاحيين على يقين بالخطوات التي تسمح لنا بالمضيّ نحو الأمام، استطعنا تجنيد المواطنين والمجتمع المدني من أجل إحداث التغييرات التي نحن بأمسّ الحاجة إليها في لبنان.

 

-رئيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن وباحث مشارك في المركز اللبناني للدراسات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني