جيمس شاموس: السيناريو ليس رواية، لا قيمة له ما لم يتحوّل فيلماً

15 كانون الثاني 2017 | 17:39

المصدر: "النهار"

جيمس شاموس أثناء تصوير "سخط".

خلال وجوده في الدوحة لتقديم درسه السينمائي المنتظر ضمن نشاط "قمرة"، كانت لي دردشة مع جيمس شاموس في شؤون الشاشة ومشكلاتها ومستقبلها.

هذا السيناريست والمنتج الأميركي عُرف بعمله الطويل مع المخرج الصيني آنغ لي، كتب أو شارك في كتابة كلّ أفلامه بدءاً من العام ١٩٩٢، رُشِّح للـ"أوسكار" عن "نمر رابض وتنين خفي" (٢٠٠٠)، ونال جائزة السيناريو عن "عاصفة ثلجية" في مهرجان كانّ (١٩٩٧)، وله خبرة عميقة في مجال الإنتاج وتطوير المشاريع وإسداء النصائح لمَن لا يزال في مقتبل تجربته. هو الشخص الذي ترأس شركة "فوكوس فيتشرز"، المؤتمنة على توزيع أفلام مستقلة و"أجنبية" في الولايات المتحدة والعالم. إنه الجندي المجهول خلف أعمال مثل "تائه في الترجمة" لصوفيا كوبولا و"إشراقة أبدية لعقل متنور" لميشال غوندري. قبل ثلاث سنوات، حلّ رئيساً للجنة تحكيم مهرجان برلين السينمائي. وزّع، وحاضر، وألّف كتباً عن #السينما (دراير)، قبل أن يقف خلف الكاميرا في العالم الماضي للمرة الأولى ليقدم "سخط" (أفلمة رواية لفيليب روث). ولعل المفارقة الأكبر في هذا الرجل تتمثل في اعتباره السينما فناً ميتاً، رغم أنه أوضح لصحافي إن "موتها لا يعني بالضرورة عدم وجودها، فثمة الكثير من الأشياء الميتة التي لا تزال موجودة".

كان سؤالي الأول له وأنا أراه يناقش مع سينمائيين شباب في العاصمة القطرية: "ما هي النصائح التي تُسديها لهؤلاء الشباب لكتابة سيناريو أفضل؟". فكان ردّه: "أعظم ما في إسداء النصائح لكتابة سيناريو أفضل هو إنه لا توجد نصائح لكتابة سيناريو أفضل. لذا، التوقعات في هذا المجال منخفضة جداً، فلا يوجد شيء اسمه نصيحة لكتابة سيناريو. لا أستطيع أن أقول أي شيء يحضّ الآخر على الكتابة. سألتُ مرة كاتبي المفضّل عن هذا الموضوع، فنصحني أن أجلس أمام آلة الكتابة وأقطع شرياناً (ضحك). كان هذا بمثابة القول "ماذا يسعني أن أقول لك؟". في الحقيقة، ثمة صناعة كاملة أنا على يقين أنّها تلهم الكثير من كتّاب السيناريو وتساعدهم في إبداعاتهم. الأدب أيضاً مصدر وحي مهم، لا أريد التهكّم على هذا كله، قد يساعد المبتدئين، ولكن لأكون نزيهاً، فإنني لم أفكّر يوماً بطريقة الفصول الثلاثة عندما أكتب، أو الحوادث التي تساهم في بلورة القصة. لم أفكّر البتة بكلّ هذه الصيغة التقليدية".

شاموس مع آنغ لي.

يروي شاموس البالغ من العمر ٥٨ عاماً، أنّه في بداياته عمل متطوعاً في شركة إنتاج صغيرة، كان مفلساً ولم يكن لديه أي مدخول. فقال لنفسه: "دعني على الأقل أكتشفُ ماذا يفعلون هنا". هكذا، من دون تخطيط مسبق، بدأت حكايته مع الفنّ السابع: "في يوم العمل الأول لي، سألتهم إذا كان من الممكن أن آخذ معي إلى المنزل كلّ السيناريوات التي كانت في مرحلة التطوير. وافقوا! كان هذا قبل اختراع الايميل. أخدتُ معي رزمة من ١٢ سيناريواً. أمضيتُ لياليَ عدة وأنا أطالعها. لاحظتُ أنّ أحد السيناريوات كان ثالث نسخة تُكتب، وكانت لا تزال ثمة فترة قصيرة جداً تسمح بتحويله فيلماً قبل أن تسقط حقوق الاقتباس من يد مالكها. فعدتُ إلى المكتب في اليوم التالي، وسألتُ أحد المسؤولين: "هذا السيناريو لديكم منذ فترة طويلة، وأنفقتم الكثير من المال لتطويره، وواضح انه ليس جاهزاً للتصوير، إذا قدّمت لي ٢٠٠٠ دولار، فسأعيد كتابته". كان جوابه: "موافق"! هذا المال سمح لي العيش بضعة أشهر، وكان بالنسبة إلى الشركة مبلغاً تافهاً. وهكذا، أتيحت لي فرصة كتابة أول سيناريو لي، أو بالأحرى إعادة كتابته. كان عنوان الفيلم "ذي أي تي غرل"، يستند إلى سيرة نجمة من أيام السينما الصامتة اسمها كلارا بو، كانت مشهورة جداً ومعروفة كـ"أي تي غرل". اسمتعتُ جداً أثناء كتابته".

عمل شاموس مع آنغ لي كثيراً، كتبا سيناريوات سوياً. سألته هل يعتبر هذه الأفلام له أيضاً بقدر ما هي لآنغ لي؟ قال ساخراً: "طبعاً، إنها لي (ضحك). أمازحك، في الحقيقة، أنجزتُ للتو فيلمي الأول الذي عُرض في ساندانس وبرلين، ورفضتُ أن أضع في الجنريك "فيلم لـ..."، ليس بالضرورة لأنني غير مؤمن بأنّ ثمة مخرجين عظماء لا يستحقون أن يُنسب الفيلم إليهم، إنما لأنه كشخص يقف خلف الكاميرا للمرة الأولى، كان ضرورياً التأكيد على أنني أقوم بحرفة معينة ولم أشعر أبداً أنني مؤلف الفيلم".

تحدثتُ مع شاموس عن البحوث التي يُجريها لكتابة السيناريو، فقال أنّه كونه أكاديمياً، فهذا يعني أنّه يولي البحوث أهمية كبرى، وأحياناً "إلى حدّ الجنون والهوس". الرجل الذي يدرّس حالياً في جامعة كولومبيا (منذ ٢٦ عاماً)، يميل إلى البحوث في شكل غريزي. "البحوث هي الشكل الأمثل للتسويف. بالنسبة إلى البعض منا الذي يعاني مشكلة عند الانطلاق في الكتابة، البحوث هي إدمان، لأنك ستظلّ تبحث. ثمة دائماً شيء إضافي تريد تعلّمه واكتشافه. ولكن عند نقطة معينة عليكَ التوقف (ضحك)".

"- ولكن، هل ثمة لحظة تقول فيها لنفسك عليّ التوقف وإلا دخلتُ في نفق لا خروج منه؟". "- حدودي عملية، أكثر من كونها وليدة شعوري بأنني أقوم بإنجاز ما. عادةً، ثمة موعد يجب أن أسلّم فيه ما كتبته، أو على الأقل يجب أن أشعر بأنّ ما قمت به جيد إلى درجة ما، كي أنتقل إلى شيء آخر. دعني أعترفُ لكَ بشيء: لم أحمل يوماً شعوراً بأنني أوصلتُ السيناريو إلى نقطة الكمال. إلا أنّه عندما نبلغ مرحلة ما قبل الانتاج، أي مرحلة نبدأ فيها التصوير، أميل إلى عدم إعادة كتابة أي شيء. أشعر أنّه عندما يبدأ الجميع بالعمل على الفيلم، يُحدث إعادة كتابة النصّ خللاً في التوازن".

ولكن، ماذا عن شعور شاموس عندما يرى أنّ الفيلم الذي كتب نصّه اختلف جذرياً حين انتقل إلى الشاشة؟ هل يتنصّل منه مثلاً؟ كيف يكون موقفه إزاء حالة مماثلة؟ "هذا يحصل دائماً، دائماً! على الفيلم أن يكون مختلفاً عن السيناريو. أنا لم أكتب رواية أو قصيدة. كتبتُ سيناريواً. والسيناريو هو اقتراح يسمح للمخرج بتحويله فيلماً، وهو ليس رؤية كاملة. لا قيمة لسيناريو لم يتحوّل فيلماً. تكلمتُ مرة في ذلك بعد عرض "نمرٌ رابض وتنينٌ خفي" خلال لقاء مع الجمهور، فقلتُ: "أحدٌ لا يخرج من فيلم ويقول أنّه "فيلم سيئ ولكن السيناريو رائع". هذا لا يحصل أبداً. يُقال العكس، ولكن نادراً، ذلك أنّه من الصعب أيضاً الحصول على فيلم جيد استناداً إلى سيناريو سيئ. غودار إذا فعلها، فذلك لأنه لا يهتم بالسيناريو كما تعلم، لكن هذا "جانر" سينمائي آخر لا يولي البنية السردية أولوية. هذه تجارب رائعة أعشقها، ولكن مختلفة عمّا أنجزه".

شاموس في برلين.

هل مصادر وحي شاموس متأصلة في الواقع أم في السينما نفسها؟ ثمة نوعان من كتّاب السيناريو؟ الصنف الأول يستلهم ممّا يعيشه ويختبره والثاني إعادة تدوير لأفلام كبيرة. "سؤال مهم"، يقول شاموس قبل أن يكمّل جوابه إثر نتهيدة عميقة: "يحلو لي الجواب بـ"لا من هذا ولا من ذاك". نعلم جيداً أنّ ثمة سينمائيين مهووسين بالسينما حدّ أنّ أفلامهم تمارين أو تحيّات، وهي تُعبّر عن فانتازم معين على السينما أكثر من كونها تعبيراً عن تجارب حياتية. في المقابل، لكلّ منّا تجربة حياتية، ولكن هذا لا يعني أنّها تصلح لفيلم. لإنجاز فيلم كبير يقتضي أن تعلم كيف تنجز فيلماً كبيراً. لذا، أنت تحتاج للقليل من الاثنين، السينما والحياة. بالنسبة إلى الشخصيات، كنت محظوظاً أنّني اقتبستُ سيناريواتي من أصول أدبية، وهذا بسبب كسلي. فالشخصيات كانت موجودة. أعظم الأفلام هي التي تسمح للمُشاهد أن يتوحّد مع الشخصيات ويراها صدى لما يعيشه في الواقع. الشخصيات في الأفلام تستمدّ أهميتها من شخصيات أخرى، وعليها أن تحمل المتناقضات التي في داخل كلّ انسان. لا يجب الاكتفاء بالنمطية".

"كتّاب السيناريو يشتكون دائماً، الكلّ، بدءاً من المخرجين والمنتجين فأرباب الاستوديوات، يريدون العبث بنصّه، أفهم ذلك لأنه حدث لي مراراً"، يرد شاموس عند محاولة استفساري عن مدى الغبن الذي يطال الأقلام خلف الأفلام. "الغبن حقيقة، ولكن كما سبق وقلت، لسنا أدباء. كان الأمر ليختلف كليّا لو انّني سلّمتُ رواية للناشر وأحدهم قام بتغيير الخاتمة مثلاً. كنت سأغضب حتماً. السيناريو مجرّد وثيقة على أحدهم أن يصدّقه ويؤمن به. أحياناً يتورّط فيه أشخاص غير مناسبين وأحياناً تُوفّق بالأشخاص الملائمين. ثمة جملة أخطار عليكَ تخطيها عندما تكون كاتب سيناريو".

"في هوليوود اليوم، هناك ديناميكية، ولكن الكلّ يريد أن ينجز الأفلام التي حققت أرباحاً العام الماضي، وهذا يعني إنعدام للخيال". بهذا التصريح نختم لقاءنا القصير مع شاموس. ثوانٍ ويضيف بلكنته اللوس أنجلسية الجميلة: "... ولكن، كلّ عام ثمة شيء جديد، وفي السنة المقبلة، ثمة مَن يريد تقليده. هي هذه الديناميكية في البزنس التي أقصدها. أرى الكثير من الأعمال المبتكرة، ولكن يتم تمجيد أفلام أخرى خصوصاً في موسم الـ"أوسكار"، فتسأل نفسك: حقاً؟ أهذا أفضل ما أنتجته السينما الأميركية؟".

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard