مالك مكتبي حين بكى وخرج من أسر ديبا!

4 كانون الثاني 2017 | 21:31

المصدر: "النهار"

في إمكان #مالك_مكتبي التحدّث ساعات عن تجربة سري لانكا ولقاء الابنة بأمّها، لكن بعض المشاعر قد تفقد بريقها إن وُصفت. نلتقيه من أجل ديبا وأسئلة موتها الصادم، فيحملنا إلى مكان آخر. يهوى التفرُّج على أسئلة معلّقة، أسئلة كثيرة، كثيفة، قاسية. أين زينب اليوم؟ ماذا جرى بعد الكاميرا؟ خلال الـ 42 يوماً؟ هل تقبّلت أمّها؟ ماذا عن عذاباتها وثقوب روحها؟ عن آلام التكيّف ومعايشة الأحزان العميقة؟ مئة سؤال يقابلها ردٌّ واحد: "لا جواب".

يشبّه مكتبي الأمر بلوحة يحلو تأويلها ومشهد سينمائي يحتمل كلّ التفسيرات. "قد أستضيف زينب لاحقاً، ولكن لا لتُجيب عن تفاصيل صغيرة". ثمة لحظة تمتلئ فيها الروح، فلا تعود في حاجة إلى أيدٍ خارجية تمتدّ لتضيف إليها. بدا مكتبي في الحديث عن لقاء زينب بديبا، مكتفياً بما رأى وعاش وجرّب، منتشياً بتفوّق مهني يتيح للمرء رمي التواضع جانباً والقول على الملأ: لا مستحيل مطلقاً! نعود إلى نجاح الحلقة، ونسأل مكتبي عن صعوبات وربما رغبة في الاستسلام وإطفاء الكاميرا. "نعم، لوهلةٍ رغبتُ في ذلك. لكنّ شيئاً في أعماقي قال "إياكَ التوقّف. استمرْ. لا بدّ أن تصل!". أمامي قصة أشبه بخيال: شابة تبحث عن أم سري لانكية. وجدتُ فيها زوايا عدّة: أمومة، إشكالية العنصرية، واقع العاملات الأجنبيات في لبنان، وتحدٍ شخصيّ لي كوني أبحث عن مغامرة قصص صعبة تُحرّك فضولي المهني، وتدفعني للوصول مهما تشابكت من حولي ظروفٌ معاكسة. كان يكفي أنّ أسمع في داخلي مناجاة معذّبة: "دخيلك بدّي إمّي"، لأصمم على إيجاد ديبا".

يطول الحديث، فتمرّ في رأس مكتبي لحظات تجربةٍ يقول بأنّها ربما تحدث في العمر مرة واحدة. كأننا نراقب وجهاً لا تكفّ المَشاهد عن استعادة نفسها أمامه. "بدأتُ باسم لا أملكُ سواه: ماراغودا هواجي ديبا دارماسيري. التحدّي الأول: ما هو هذا الاسم؟ عدتُ في ذاكرتي إلى تجربة شخصية علّمتني أنّ اسم السري لانكيات قد يأتي مسبوقاً باسم قراهم، وبعد البحث، تأكدتُ أنّ ماراغودا هي الأرض الآتية منها ديبا، وسكانها يتكلّمون السنهالية! سأصل مهما بدا الدرب شاقاً!". لا تُكتب كلماتٌ بالحماسة الروحية المُفعَم بها مكتبي. في النهاية، نحن ضيوف في تجربته، وهو وفريق عمله عاشوا الذهول حياً، في ذروته وعلى أقرب مسافة.

يصل إلى سري لانكا، وفي القطار يلتقي راني، عاملة صدف أنّها تفهم العربية وتتحدّثها "بالمكسّر". يتوقّف طويلاً أمام هذه السيدة، يستعيد قصّ حكايتها أمامه حين أخبرته عن محاولة انتحارها، وفي النهاية مسحت دمع زينب وطمأنتها: "ما تِزْعل. نشالله كلو كويّس". يُخبرنا: "صُدمت بعاملات يعرفنني، وهن يستغثن بعربيتهن البسيطة: "أستاذ مالك، نريد إخباركَ ما جرى. نريد طرح قضايانا!". هذا الواقع الذي عشته. هذه الحقائق التي لمستها. هذه عظمة الامتلاء بروح المهمة الإنسانية. هذا ما لا تعوّضه إطراءاتٌ مهما بلغت جمالية!".

نخرج بعض الشيء من جوّ حلقة رأس السنة، لنتكلّم على تجربة "أحمر بالخط العريض" ("أل بي سي آي") بعد عشر سنوات. مكتبي يناقش في "مطبات"، من دون أن يرمقها بنظرة ندم. "مالك اليوم غيره مالك الأمس. "إخفاقاته" و"انتصاراته" صنعت نضوجه وكثّفت منطق الطرح ونوعية المقاربة. لستُ ممن يعيش أسير اللحظة، بل يطوي الصفحة ويستمر. لقاء زينب بديبا إنجاز إنساني، لكنه لا يشكّل عقدة أتوقف عندها. أنجزتُ الحلقة، وأثابر لصناعة حلقات أخرى بأهميتها. أطلقتُ على شركة الإنتاج الخاصة بي اسم "Next Level" لإيماني بالانتقال الدائم إلى مراحل أخرى. سأكون صريحاً: أريد رفع مستوى التلفزيون إلى الـNext Level. تنتج شركتي اليوم، وستنتج في المستقبل، مجموعة برامج وأفكار لقنوات لبنانية وعربية وللانترنت. باكورة أعمالها وثائقي ديبا، وأعد بتقديم مستوى آخر في عالم التلفزيون والأونلاين. ثمة في داخلي زوايا تغيّرت على مدى السنوات العشر. لم أندم على حلقة أخرجتُها يوماً من ذاتي، وكنتُ ربما لأعيد بعض الطرح من زاوية حوارية مختلفة. هذا نضوج آتٍ بعد جهد السنوات وتعبها. أنا اليوم أمام تحدٍّ يُدعى طرح السؤال. أضعه، أصيغه، أعدّله، أتناقش مع جورج (موسى، رئيس التحرير) حوله، وأعتمده بعد يقين وثقة".

في لقاء مكتبي، نتركه يتكلّم، كحال انسياب نهرٍ يشعر بالبهجة. ثم نستوقفه بسؤال هو بالأحرى فضولٌ جماهيري: "من أين تأتي بضيوفك؟". سؤال يستفزّه ويستغرب طرحه، فيجيب جازماً: "إنّه سؤال سخيف وجاهل. أنحني احتراماً أمام كلّ ضيف يشاركني تجربته، وأتعلم منها. ضيوفي أناس حقيقيون، يقفون أمام الكاميرا من دون أقنعة ويتحدّثون بصدق عن اقتناعاتهم وتجاربهم. مَن كان ليتصوّر أنه ثمة زواج قاصرات في لبنان؟ في إمكاني اليوم إنجاز ثلاث حلقات عن مأساة كهذه. ضيوفي هم واقع نعيشه ويعيشنا ولا نتجرأ على الاعتراف به. حجم المشكلات الاجتماعية يفوق تصوّرنا. علينا فقط أن نراقب ونتابع".

نمرّ على ذِكر الأرقام والرايتيغ، فيؤكد: "لم أعش عقدة الأرقام يوماً. قلتُها وأكررها: مالك مكتبي ينافس مالك مكتبي، هاجسي تقديم مادة تلفزيونية مختلفة ترفض الاستخفاف بعقل المُشاهد، ومصرٌّ على ذلك. لم أروّج يوماً لأرقام حلقاتي عبر السوشيل ميديا، ثم أتباهى بها، وما كنتُ لأدخل بحديث الرايتينغ لولا السؤال عنه، ورغم ذلك أقول إنّ صدقيتي، ثقة الناس، قدرتي على الاستمرار طوال عشر سنوات والأرقام، عوامل بمثابة أرض طيّبة صنعت نجاح "Amma". وثمة عامل أساسي هو بيار الضاهر (رئيس مجلس إدارة "أل بي سي آي"). ثقته بي وإيمانه بالمشروع أدّيا إلى إنجازه. أشكره لأنّه حين أطلعته على الفكرة أجاب بثقة: GO Ahead! أكملْ حتى النهاية. دعمه جعلنا نقدّم للمُشاهد عملاً بهذا الحجم سيذكره التلفزيون على مرّ السنوات.

لا مفرّ من سؤالكَ يا مالك عما رادوكَ حين علمتَ بموت ديبا. يُخبرنا عن درسٍ قاسٍ تعلّمه. "تساءلتُ: لو تأخرنا أربعين يوماً عن السفر، ماذا كان ليحدث؟ هل أرحتُ زينب بإرشادها إلى أمّها أم زاد اللقاء عذاباتها جرحاً؟ أمام أسئلة تفوق عظمةً البحث عن أجوبتها، بكيتُ. وأمام يد زينب المرتجفة وهي تلامس يد ديبا، أجهشتُ. شعرتُ أنّ التعب بأسره انتهى بلحظة. راودتني ذكريات وصور لم أعرف تفسيرها. أجهشتُ أمام ولادة شهدتُ عليها لتصبح لحظة عمر فارقة. لحظة بحجم ردٍ على سؤال: "What's your name؟"، بجواب: "ديبا دارماسيري!". "أووووف". كأنني أقول لها بالله عليكِ الفظي هذا الاسم! يا لها من امرأة فائقة الحضور، مدهشة! لن أنسى ديبا وهي تشمّ صورة طفلتها. الأمومة عابرة للقارات. هي دماء نظيفة. ولمسة تبقى للأبد".

يُذكر أنّ LBCI تُعيد حلقتي وثائقي "Amma" في 7 و14 كانون الثاني الجاري.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

 

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard