ثلاثة أفلام عُرضت في دبي: عنصرية أميركية وقمع سوري ونار لبنانية!

1 كانون الثاني 2017 | 14:28

المصدر: "النهار"

شاهدنا في #دبي هذا العام عدداً من الأفلام الأميركية والعربية الجيدة من بين كمّ وفير من الأعمال كان في انتظارها جمهور السينيفيليين في المدينة الإماراتية. أتيح لنا كذلك حضور اختتام المشاهدة المهرجانية (دبي آخر التظاهرات التي نغطيها منذ سنوات) والشروع في الإعداد للحصاد السنوي لعام 2016، وهو عام أقل ما يقال فيه انه كان غنياً بالأفلام المتنوعة التي تختزل المسافة بين ما هو معروف بالتجاري وما يسمى فنياً. في الآتي، ثلاثة أفلام اكتشفناها في دبي وستُعرض السنةالمقبلة على أن تفتح مجالاً واسعاً للنقاشات والجدل.

"ولادة أمّة" لنت باركر (سينما العالم): عمل قاسٍ جداً ينطوي على معالجة صارمة تذهب إلى الجوهر مباشرة، للعنصرية في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر، أيام العبودية تحديداً. تلك المهانة الانسانية التي أسقطها أبراهام لينكولن. الفيلم يأتي في توقيت مناسب يتكاثر فيه الحديث عن العلاقات بين مختلف الأعراق في أقوى دولة في العالم. غالبية الحضور خلال العرض كانت من الأفارقة الأميركيين في دبي، وهذا يؤكد مرة أخرى دور الجاليات في هذا المهرجان. شاهدتُ بأمّ عيني بعضهم يذرف دمعة وهو يتابع الحوادث. انطلق الفيلم من مهرجان ساندانس الأميركي حيث لمع نجم نات باركر قبل أن تتم "تصفيته" بسبب فضيحة جنسية طالته. باركر في السابعة والثلاثين من عمره، ظهر سابقاً كممثل في بعض الأفلام. في ساندانس فاز فيلمه بعدد من الجوائز. صحيح ان العنوان هو نفسه عنوان فيلم دي دبليو غريفيث (انتاج 2016) الذي يراه البعض عنصرياً، إلا أن باركر (هو السيناريست ايضاً)، لم ينجز "ريميكاً"، بل أراد الاتيان برؤية مستحدثة لتمرّد السود عام 1931، على نحو يجعل المُشاهد يفكّر في فيلمه هذا بدلاً من فيلم غريفيث عندما يأتي أحدهم على ذكر العنوان. طبعاً، مع اعجابي الشديد بهذا الفيلم، إلا انه لن يلقي بظلاله على تحفة غريفيث، فهو لا يرتقي إلى مصافه فنياً. مع ذلك نحن أمام صرخة في وجه الظلم والتنكيل اللذين تعرض لهما الأفارقة الأميركيون على مدى سنوات. والمستغرب انه بعد مرور مئة عام على فيلم غريفيث، لا تزال الشكاوى من عنصرية بعض البيض موضوعا شعبيا في بعض الأوساط. النصف الأول من الفيلم هو وصف لظروف عيش السود في زمن الفصل العنصري اذاً، في حين ان نصفه الثاني يرينا ما سيترتب على هذا الفصل من عواقب وخيمة، فيحملنا إلى الانتفاضة التي سيقودها نات ترنر (يضطلع بدوره نات باركر)، العبد الذي يعمل عند أحد الأثرياء البيض، لتحرير أبناء جلدته من العبودية بعد سنوات من المعاناة والتمييز والمهانة. للفيلم ثقلٌ بسيكولوجي كبير، لكن أهميته تأتي أيضاً وخصوصاً من قدرته على خلق التماهي مع الشخصيات، بحيث ان باركر يبرع في إعطاء الحكاية بُعداً انفعالياً، يتحصل عليه من خلال موهبته في رسم مصير الشخصيات. ويساعده في هذا كله وجوده خلف الكاميرا وقبالتها.

 

"ذاكرة باللون الخاكي" للفوز طنجور (مسابقة المهر الطويل): أحد أقوى الأفلام المعروضة في دبي الذي ينبش في ماضي خمس شخصيات من خلال شهاداتهم، وذلك بهدف استعراض واقع سياسي وإنساني ألقى بظلاله على الحيزين الخاص والعام. جميل بصرياً، وغني مضموماً، وصعب كتجربة مشاهدة، يستفيض الفيلم في وصف طويل للفكر البعثي القمعي الاستبدادي العسكري الذي حكم سوريا طول العقود الماضية، والآلام التي تركتها هذه العقيدة في مجموعة ناس تشتتوا في بقاع الأرض، بحثاً عن حياة جديدة وواقع جديد وحضور بعيد عن الهوية الخانقة. إلا ان زخم التجربة لا يزال ماثلاً في وجدانهم، ولا تزال سوريا تسكنهم وهي متغلغلة في أصغر مسام من جلدهم. اللون الخاكي في العنوان يشير إلى العسكر، ودلالات ذلك اللون كمرادف لبثّ الرعب في النفوس. هذا فيلم لن يترك أحداً لامبالاياً، فالوجع كبير والانتهاكات الإنسانية التي تعرّض لها هؤلاء تقشعر لها الأبدان، وإن كانت كلها تمرّ عبر الشهادات وليس هناك أي صورة مؤلمة تعبيرية أو حقيقية. يبدأ الفيلم في الماضي ليقفز قفزة عبر الزمن تربطه بالحاضر، وكأن الزمن واحد مستمر عند الذين كانوا عرضة للقهر. يقول الفوز طنجور في الملف الصحافي: "في اللحظة التي وصلتُ فيها أنا وعائلتي إلى مخيم متواضع للجوء في قلب أوروبا، بدأتُ أهرب إلى ذاكرتي التي تركتُها أمام باب بيتي. كانت الصور هشّة، وسريعة، ومعطوبة، وكلها باللون الخاكي؛ صور لسنوات التخفي المرّة التي عاشتها سناء في الشام، والليل الطويل الذي أمضاه إبراهيم في السجن، والألم العميق الذي يعيشه خالد في المنفى، والتوق أبداً للرجوع، والحلم بوطن حرّ هو ما تبقى لشادي".

 

"نار من نار" لجورج هاشم (مسابقة المهر الطويل): فيلم خاص جداً. عمل يقوم بخيارات شكلانية فريدة ويذهب فيها إلى الآخر. جسد غريب في سيرة السينما اللبنانية أخرجه وكتب نصّه مخرج "رصاصة طايشة" وشكلّ صورته أندرياس سينانوس، مدير التصوير اليوناني الذي خلف أفلام أنغلوبولوس. هاشم نال "مهر" أفضل فيلم عربي عن "رصاصة طايشة" عام 2010، إلا ان الحظ لم يحالفه هذه المرة على الرغم من ان فيلمه هو واحد من أرفع الأعمال المعروضة في مسابقة هذا العام. لا تزال الحرب الأهلية اللبنانية مقيمة في ذهن المخرج الذي ينسج حكايته هنا من وحي تلك المرحلة. أندره الذي يضطلع بدوره المسرحي اللبناني الكندي وجدي معوض، مخرج يصنع فيلماً ثم نراه يعرضه في "معهد العالم العربي". بين زمن الصنع والعرض، نتعرّف إلى ثلاثة أشخاص عاصروا الحرب، ثم نتعرّف في فيلم المخرج أندره إلى مثيلهم. من التداخل المستمر بين الواقع والمتخيّل، يصنع هاشم عملاً مشوقاً، أخّاذاً بصرياً، مغرياً في محاولته إدخالنا في معمعة الفيلم داخل الفيلم. نقتحم حميميات الشخصيات التي لا تنفك تدخل في معركة غامضة مع ظهور الشخصية التي يضطلع بها فادي أبي سمرا، وتأتينا موسيقى زاد ملتقى لتشحن الأجواء قلقاً واضطراباً. فيلم غني بالمدلولات البصرية والنفسية والعمق الوجودي ستكون لنا عودة إليه عند عرضه في بيروت.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard