في يوم الهدنة الأول... دمشق "العطشى" تبحث عن "الهدوء المستحيل"

30 كانون الأول 2016 | 17:08

(أ ف ب).

ربما هي الأزمة الأصعب على سكان العاصمة مع مرور أسبوع كامل دون مياه، الأزمة التي أضيفت لسلسلة نكبات يغرق بها الناس يومياً بدت طاغية على أي اتفاق أو هدنة أو تسوية مرتقبة.

لم تكن المرة الأولى التي تقطع فيها المياه عن #دمشق بسبب عمليات عسكرية في ريفها الغربي بخاصة وادي بردى، ولكنها الأطول هذه المرة. وفيما تقول الحكومة إن السبب هو خلط المسلحين كميات من المازوت في خطوط التغذية الأساسية كورقة ضغط على الدولة، تتحدث مصادر المعارضة عن استهداف نبع "عين الفيجة" من النظام وخروجه عن الخدمة في ظل ما تقول إنه استهداف للمنطقة بهدف تهجير المدنيين والمسلحين على حد السواء.
في المحصلة، توقف ضخ المياه وتحولت إلى مجرى نهر بردى ما شكل أزمة خانقة انعكست على كافة المناطق خصوصاً تلك التي تحتاج إلى قوة ضخ كبيرة ليصلها (الذهب الشفاف) قبل أن تبدأ سيارات وشاحنات كبرى بالتجول ضمن شوارع العاصمة لتزويد الناس بالماء، وهو ما سبب بدوره مشكلة جديدة في ظل غيابها عن مناطق دون أخرى أو لجهة الازدحام الشديد.

كلّ هذا أرخى بظله مع انقطاعات الكهرباء المتتالية وارتفاع الأسعار وانخفاض الدخل لتتشكل صورة قاتمة عن مدينة اعتادت الفرح ولو قليلاً في موسم الأعياد، وامتد ذلك ليطغى همّ الحياة على كل ما سواه ولو كان الأمر متعلقاً بوقف إطلاق النار وبدء الحديث عن التسوية. كل هذه المعطيات تجعل الهدوء بمعناه العميق مستحيلاً في العاصمة السورية.

الحرب لم تنتهِ بعد

على رصيف شارع "أسد الدين" شمال العاصمة ينتظر "محمود" وصول السيارة المحملة بالمياه ومعه عشرات من الأهالي بعد سبعة أيام لم تزرهم فيها قطرة ماء بحسب وصفه. يعتبر طبيب الأسنان العشريني بأن لا أمل في البقاء في البلاد كثيراً، ففرص الحياة تتضاءليومياً ولم تكن الأزمة الأخيرة سوى إشارة إنذار جديدة معقباً: "مؤنتنا نفدت، لم أكن أتخيّل أن هذه العبارة ستكون واقعاً. كنت مخطئاً حين تجاهلت نصائح الكثيرين بالهجرة ولكن الواقع يقول إن علينا بدء مستقبل جديد بعيداً من حرب لن تنتهي". ولكن ألا يشكل وقف النار الذي بدأ ليلة الأمس فرصة جديدة ؟ يضيف بتهكم:"سبقت هذه الهدنة ثلاث قبلها انتهت بفشل ذريع ... العالم لم يرتوِ من دمائنا بعد".
لا يختلف كلام الشاب عن رفيقه أسامة الذي لم يعد يرى بريق أمل في كل ما يجري. فبعد سنوات حاول خلالها التفكير في كيفية نهاية الصراع السوري، أصبحت أهم أولوياته تأمين الكهرباء والماء والغاز له ولأطفاله المهجرين مثله، "كل الاتفاقات الدولية مجرد كلام، لم تنته الحرب بعد". متى الخلاص إذاً؟، يعلق:"حين نعود الى بيوتنا المدمرة، وربما عند تأمين بيت بديل في المانيا أو السويد سيكون ذلك أفضل".

الفقراء يدفعون الثمن
على مقربة من خطوط التماس في #الغوطة الشرقية تقع "جرمانا" المنطقة التي اختارها كثير من النازحين بعيداً من الأسعار الخيالية للعقارات وسط العاصمة. لا تطرق الكهرباء بالأساس أبوابها أكثر من بضع ساعات يومياً وتتفاقم أزماتها مع المياه. كثير من المطاعم والمقاهي أقفل أبوابه، وحذا بعض المدارس الخاصة حذوها فيما بات البحث عن قارورات الماء مسألة في قمة الصعوبة كما تصفها "نور". فالمدرسة التي تتنقل يومياً من منطقتها إلى أحد أرقى أحياء العاصمة تصاب بحالة صدمة يومية من هستيريا التناقضات التي تراها، تعلق السيدة الأربعينية: "لا تقطع عنهم الكهرباء أكثر من ثلاث ساعات أو أربع، سيارات المياه تزورهم بشكل مستمر. هناك لم يتذوقوا طعم الموت اليومي مع سقوط القذائف، وربما لم يدرك أي منهم ما معنى الحرب التي ندفع ثمنها وحدنا". وخلافاً لا آراء أخرى تعول آمالاً كثيرة على أي اتفاق للهدنة أو حل للصراع، إذ ثمة ما يدفعها لذلك كما تقول: "ربما اكتشف مصير والدي وشقيقي المخطوفين منذ سنوات، قد لا أعرف عنهم شيئاً ولكني مجبرة على التفاؤل ومثلي كثر،لم اعد أريد أكثر من هذا".

فلتصمت القذائف قليلاً
حالة محمد الممرض في أحد مشافي العاصمة تبدو افضل قليلاً من غيره، فعمله اليومي في المشفى يؤمن له الكهرباء والمياه بشكل يجعله يفكر اكثر في ما يجري من حوله. للرجل الذي فقد اثنين من أشقائه بقذائف الهاون رغبة ملحة في انتهاء الحرب أو توقفها تدفعه للأمل بأي وقف لاطلاق النار. ويعلق بحرقة: "فلتصمت القذائف ولو قليلاً، لا أريد لمشهد الدم والأشلاء اليومي أن يتكرر. هؤلاء الناس المصابون مكانهم في بيوتهم أو في أعمالهم وليس على أسرة الإسعاف وغرف العمليات. هناك أيضاً في مناطقهم يوجد أناس ليس مكانهم في غرف المشافي وبين مباضع الأطباء، لا أريد أن أكون خبراً عاجلاً".

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard