أندرياس سينانوس: الهوية البصرية للأفلام أصبحت معدومة بعد التخلي عن الشريط

27 كانون الأول 2016 | 13:02

المصدر: "النهار"

أندرياس سينانوس خلف الكاميرا أثناء تصوير "نار من نار" لجورج هاشم (عليا حاجو).

أندرياس سينانوس رجلٌ هادئ. هكذا بدا لي خلال النصف ساعة التي التقيته فيها. مقلّ كلاماً ومتحفظ تعبيراً، من الصعب جداً دفعه في إتجاه الكشف عن تفاصيل تجربته الغنية وباعه الطويل الممتد لنحو نصف قرن في إدارة الصورة. فهذا الذي على مشارف السبعين هو في الأخير، فنانٌ يعبّر من خلال الصورة، لغته الضوء وحروفه الظلال، لا يحتاج إلى اختيار كلمة إنما إلى تحديد لون. بدأ سينانوس متدرباً في أفلام المخرج اليوناني الكبير ثيو أنغلوبولوس، تعلّم المهنة في موقع تصوير "رحلة الممثلين" (1975)، قبل أن يضمن إضاءة أعماله اللاحقة كـ"خطوة اللقلق المعلّقة" و"تحديقة أوليس" و"أبدية ويوم" الذي فاز عنه أنغلوبولوس بـ"سعفة" كانّ عام 1998. أثناء حضوره الخاطف في مهرجان #دبي السينمائي الثالث عشر في مناسبة عرض فيلم جورج هاشم الجديد، "نار من نار"، الذي تولى إضاءته، كان لنا الحوار الآتي معه.

مصوّراً أحد أفلام ثيو أنغلوبولوس.

* عادةً، كم في المئة من صورة الفيلم يعود إليك؟
- لا تقاس الأشياء على هذا النحو. لا أستطيع قياسها بهذه الدقة. هذه ليست رياضيات. فيها أخدٌ وردّ. وتعاون كبير بيني وبين المخرج للوصول إلى نتيجة ترضيني وترضيه. مع جورج هاشم، كان التعاون ممتازاً. شعرتُ بارتياح كبير منذ اللقاء الأول، وكأن أحدنا يعرف الآخر منذ سنوات. لم تشهد علاقتنا أي مشكلة تواصل.

* عادةً، ماذا تفضّل؟ التصوير الخارجي أم الداخلي؟
- الأمر سيّان عندي. لا فرق.

* ممّ تستوحي صورتك؟ من الأفلام أم من لوحات المعلّمين الكبار؟
- لكلٍّ طريقه في إيجاد الوحي. أستلهم من كلّ ما يصادف طريقي.

* كيف تصف تجربتك مع أنغلوبولوس؟
- بدأتُ متدرباً في أفلامه. أول إتصال لي بالسينما كان مع فيلم "رحلة الممثلين". كنت لا أزال في معهد السينما. كنت محظوظاً بالعمل معه وقد ترك فيّ إنطباعاً هائلاً، وخصوصاً ان هذا واحد من أهم أفلامه.

* هل كان معروفاً في ذلك الوقت؟

- نعم. كان هذا فيلمه الثالث. بدأ يشتهر منذ فيلمه الأول.

"غبار الزمن" لثيو أنغلوبولوس.

* في أفلام أنغلوبولوس، كنت تتشارك مهام التصوير مع يورغوس أرفانيتيس؟ كيف كنتما تتعاونان؟ إنها لتجربة فريدة.
- لم نكن نتولى إضاءة الفيلم معاً، أعني في الوقت نفسه. جزء من الفيلم كان يتولاه يورغوس والجزء الثاني كنت أنا الذي أتولاه. لم نعمل معاً في زمن واحد. السبب في هذا النمط من العمل الذي أتبعناه هو ان أنغلوبولوس كان يتوقف عن التصوير أحياناً لفترة معينة، فيحصل أن يكون أحدنا مشغولاً في مشروع آخر، فيتابع الآخر عمله. في "أبدية ويوم" أنا الذي بدأتُ ويورغوس هو الذي أكمل، أما في الفيلمين الآخرين فحصل العكس. مع يورغوس كنا نتفاهم جيداً. إذا دققتَ جيداً، فسترى فرقاً في الإضاءة بين المرحلة التي شكّلتُ فيها الصورة والمرحلة التي عمل فيها يورغوس عليها. إذا كنت خبيراً فستلحظ الفرق. طبعاً، ليورغوس وأنا روح مشابهة أو متقاربة على الأقل.

* هل كان أنغلوبولوس يبحث عن هذا الفرق البسيط؟
- لا.

* كيف كان خلال العمل؟ هل كان طاغية مثلاً؟
- كان يجهد كثيراً خلال التصوير. كان متطلباً مع ذاته. لم يكفّ عن التصوير حتى آخر لحظة من حياته. كان يكرر المحاولات حتى الحصول على النتيجة المرجوة. عندما كان يبحث عن ضوء معين، كان ينهض في الصباح المبكر، عند الثالثة، ويتأمل شروق الشمس. لم يكن ينام قط. هكذا كان يعمل. أحياناً، كنا نضطر إلى التصوير عند بزوغ الشمس أو غروبها، لأسباب تتعلق بظروف العمل.

* عندما تصوّر في بلدان مختلفة، أتقارب التصوير مقاربة مختلفة؟ أليس الضوء في باريس مختلفاً عن الضوء في أثينا مثلاً؟

- عليك إختيار اللحظة التي تريد أن تصوّر فيها وقياسها بالنتيجة التي تبحث عنها. حتى في اليونان، يمكنك الحصول على ضوء شمالي إذا أردت. كلّ شيء ممكن. حتى في لبنان، خلال الشتاء عندما تتلبد السماء بالغيوم، يمكنك العثور على مناخ شبيه بشمال أوروبا.

* هل غيّر الديجيتال شيئاً ما في مقاربتك للتصوير؟
- كلّ شيء أصبح أكثر سهولة. حتى تقليد الآخر بات سهلاً. الهوية البصرية أصبحت معدومة. أتكلّم عن الصورة فحسب لا عن الإخراج. أيام الشريط السينمائي، كان ينبغي لمدير التصوير أن يعرف جيداً مجال الإضاءة وكيفية قياسها والحصول على كونتراستات معينة. لم يكن هناك امكان لتصحيح أي شيء أثناء المونتاج. اليوم، مع هذا الهاتف المحمول الذي أمامك، كلّ شخص يشعر نفسه مصوّراً. سابقاً، كانت الصورة تحتاج إلى شغل إضاءة معقد. حتى النسخ صار أسهل. على حاسوبك، تجمّد صورة أي فيلم وتراقب كيف استحصل على الصورة. أيام العمل بالشريط، كانت إعادة إنتاج صورة معينة تحتاج إلى حرفية عالية.

* ما هي الصورة السينمائية الجميلة لك؟
- إنها الصورة التي تتعقب منطق الفيلم. أحياناً، الصورة تكون جميلة ولكن لا تناسب الفيلم. يجب تفادي البطاقة البريدية. بعض الأفلام لا يتطلب صورة جميلة، بقدر ما يحتاج إلى صورة سليمة تلائم النصّ. الصورة مثل التمثيل. على الممثل أن يدخل في الدور، وعلى المخرج أن يختار الممثل الذي يدخل في هذا الدور.

* أنغلوبولوس اشتهر بلقطاته الطويلة. كيف كان العمل معه على هذا الجانب؟

- تطلّب الأمر في كلّ مرة الكثير من العمل. أنغلوبولوس كان يخطط للقطات الطويلة منذ مرحلة كتابة السيناريو. يجب أن تعلم أننا كنا نجري التمارين قبل التصوير. والهدف: العثور على التوقيت الصحّ. وإلا كنا نُمنى بالفشل.

"رحلة الممثلين" لثيو أنغلوبولوس.

* مشهد الباص في "أبدية ويوم"، أأنت الذي صوّرته؟
نعم. إنه مشهد بديع، أليس كذلك؟ الفكرة من أنغلوبولوس في طبيعة الحال. أضأنا الباص ثم صوّرنا المشهد بعد إجراء بعض التمارين.

* هل كان هناك قصّ ولصق غير ظاهرين في اللقطات الطويلة أم كانت فعلاً لقطات طويلة أُنجِزت باستمرارية حقيقية؟
- أحياناً، لجأنا إلى القصّ واللصق. في "رحلة الممثلين"، أنجزنا مشهداً من 30 دقيقة. خزان الكاميرا لم يكن يستوعب آنذاك لأكثر من عشر دقائق تقريباً، فاضطررنا إلى إمرار الكاميرا خلف بقعة سوداء لإخفاء القطع. قطعنا المشهد مرتين. آنذاك، كنت متدرباً. هناك مشهدان لافتان تقنياً في "أبدية ويوم" من وجهة نظر تقنية، أحدهما هو المشهد الختامي، بحيث ينطلق من ديكور فيللا قديم له أهمية درامية كبيرة. يدخل الممثل إلى المشهد، نذهب إلى الباب، ومن الباب نطلّ على الشرفةالخارجية، لينتهي المشهد برمته على الشاطئ. صوّرنا هذا كله بلقطة واحدة. شيّدنا ديكوراً، وضعنا الكاميرا على سكّة، وكان الباب يفتح للكاميرا عندما تمر عبرها. كان تصميماً هائلاً. الفكرة عبقرية، يدوم المشهد تقريباً سبع دقائق. المشهد الآخر هو مشهد الكنيسة. يبدأ في البحيرة مع وصول مركبة جديدة تحمل شابات. هنا لجأنا إلى الترافلينغ لندخل إلى الكنيسة. بنينا 30 متراً من الترافلينغ، وكنا نزيل السكة من دون أن تلحظ الكاميرا ذلك.

* ألا تعتقد ان الكاميرا تتحرك كثيراً في الأفلام المعاصرة؟
- هناك ظاهرتان: إما الكثير من الحركة وإما لا حركة. ثم، هناك إفراط في اللقطات الثابتة. لقطة طويلة ولكن ثابتة. هذا أسهل وأسرع ويناسب الجميع. الإضاءة لا تتغير. شتان بين إضاءة لمشهد ثابت ومشهد متحرّك.

* هل تصل إلى موقع التصوير قبل الآخرين؟
- بالطبع. أصل مبكراً برفقة المخرج.

رجل ضوء وظلّ (عليا حاجو).

* هل تعاملتَ أيضاً مع سينمائيين يونانيين آخرين؟
- صحّ، منهم ميخاييل كاكويانيس.

* التقيته في بداية عملي الصحافي؛ كان رجلاً صعب المراس.
- لم يكن صعباً، بل كان "سنوبياً". أنجز أفلاماً ذات شعبية واسعة. "زوربا اليوناني" أسطورة. عملتُ معه على فيلمه ما قبل الأخير، "رأساً على عقب"، من تمثيل ايرين باباس.

* هل حدث أنك تخليتَ عن فيلم لأنك لم تتفاهم مع المخرج؟
- لا، لأنني أختار دائماً العمل مع من تربطني بهم علاقة إنسانية. الرابط البشري مهم عندي.

* وهل عندما تعيد مشاهدة الأفلام التي وضعتَ صورتها...
- ... (مقاطعاً) لا أحب إعادة مشاهدتها (ضحك). الشيء الأحَبّ إلى قلبي هو فترة إلتقاط المشاهد. عندما أشاهد الأفلام لا أكف عن لوم نفسي للخيارات التي أخدتها. ولكن، في مرحلة معينة يجب قبول الفيلم كما هو وإلا لن ينتهي العمل عليه.

مع فادي أبي سمرا خلال تصوير "نار من نار" (عليا حاجو).

* هل ثمة مديرو تصوير ألهموك؟
- لا يتعلق الموضوع بالإلهام. الخلق يأتي ولا تعرف كيف: تتأمل لوحة هنا وتشاهد فيلماً هناك، تتشرب كلّ هذا وتتشبع به. حتى الضوء تتشبع به. ثم تقف خلف الكاميرا، فيخرج تلقائياً كلّ ما في داخلك. لا تقول البتة أريد إعادة تشكيل ما شاهدته.

* كيف وصلتَ إلى العمل على فيلم "نار من نار"لجورج هاشم؟
- أعتقد ان جورج هو الذي وجدني. في رأيي، كان شاهد شغلي في بعض الأفلام. جورج سينيفيلي يشاهد الكثير.

* هل كانت له رؤية محددة للصورة التي يريدها؟
- بالتأكيد. قبل البدء بالتصوير قمنا بالكثير من التمارين. تحدثنا. هكذا بدأنا. كمصوّر عليك تتبع رؤية المخرج وإلا أنجزتَ دائماً الصورة نفسها.

* لكنك تفرض وجهة نظرك عندك تكون متمسكاً بها، صحّ؟
- صحيح. ولكن لا داعي لفرضها، هذا تحصيل حاصل.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard