زيارة وادي رم الأردني... غوص في قلب التاريخ

27 كانون الأول 2016 | 11:34

المصدر: "النهار"

لا تكتمل زيارة السائح الى العقبة في #الاردن من دون أن يعرج على وادي رم، ويمضي يوماً اواكثر بين ربوع صخوره وكثبان رمال صحرائه والغوص في احضان تاريخ يشهد على محطات شعوب وقبائل سكنت هذه الارض وتركت بصماتها فيها. ويبقى الاجمل في هذه البقعة هو حفاظ المسؤولين عن قطاع السياحة عليها عذراء ومنع وصول يد الانسان اليها منعاً من تخريب معالمها ونقوشهاوآثارها. وقبل التوجه الى رم لا بد من استراحة في مقهى "ركوة كنعان " في قلب المدينة وارتشاف القهوة العربية في مكان يتبادل فيه الرواد الاراء والافكار وشؤون الساعة في اجواء حضارية وقبول الاخر في مشهد يختلف بالطبع عن حال جامعة الدول العربية التي لا تقدم ولا تؤخر.

اول ما يلفتك صخور جبال رم وطبقاتها المتماسكة التي لم تخل من تصدعات بسبب الهزات، وتصل سماكتها الى 700 متر حيث ظهرت سلسلة من الاخاديد والاروقة في صخور الغرانيت وارتفاعها الى اكثر من 1700 متر. وترتفع السهول في هذه المنطقة 1000 متر فوق سطح البحر وتخزن الامطار بكميات كبيرة. وعلى السائح هنا، وخصوصا في ايام الشتاء، ان يرتدي ما يمكن من ألبسة بسبب البرد الشديد، لكن حرارة أدلّاء السياحة في مكتب العقبة والمضيفين تخفف من هذا المناخ في رم التي تبعدك من العالم وصخبه.

وتنمو هنا اشجار النخيل والوزال الابيض ونوع من التين الى تشكيلة من النباتات والاعشاب العطرية والطبيىة وتلقى عناية خصوصاً من القائمين عليها في هذه الواحات. ويبلغ معدل عمر اشجار العرعر اكثر من 800 سنة وهي تنمو فوق مرتفعات رم التي تشكل ممرا للطيور المهاجرة. وثمة حيوانات نادرة ممنوع صيدها. ودخل رم قائمة التراث العالمي التابعة لليونيسكو. وتعرف الغرب والعالم إلى رم من خلال فيلم "لورنس العرب" الذي تم تصويره في العام 1962. ويحظى بعناية خاصة من الجمعية الملكية لحماية الطبيعة وصنف محمية منذ العام 1998 لرعاية الثروة البيئية وتأمين الطرق المعيشية المستدامة لمجتمعه البدوي. وتشرف عليها سلطة العقبة الاقتصادية الخاصة.

في هذا المكان لا يزال البدو والسكان الاصليون يتنقلون عبر قوافل جمالهم وماشيتهم من الماعز والاغنام التي يعتاشون منها مع رعاية تقدم لهم من السلطات الاردنية التي تحرص على الابقاء على هذا اللون البدوي في خريطة المملكة ذات الطبيعة المتنوعة. وتتسابق الافواج السياحية ومحبو الطبيعة على قصد رم والتجوال في منطقة الديسي لركوب الجمال في قافلة تضم عشرات الرؤوس. وثمة من يهوى في هذا المكان ممارسة رياضة المشي اوتسلق الجبال او مشاهدة الطيور من انواع النسر الاسمر وعقاب بونلي وطيور اخرى. وتوجد تلال لهواة التأمل ووممارسة اليوغا للذين يهربون من ضوضاء المدن وضغوطها والتحديق في النجوم التي لا تفارق سماء رم.ومن يقصده يستمتع بهدوء هذا المكان حيث يسمع من بعيد صوت الموسيقى المنبعث من آلة الربابة التي يعزف عليها الرعيان وسكان المنطقة، وهم يتنقلون مع قطيعهم والتي تخرق اصواتها اجواء الفضاء بعيداً من ضجيج المدينة والتكنولوجيا. واقيمت في رم مجموعة من المقاهي على شكل خيم بدوية حيث ينبعث منها صوت موسيقى آلة "السمسمية" التقليدية، وهي الاكثر شعبية عند القاطنين في منطقة البحر الاحمر.

تبدأ رحلة السائح بعد انطلاقته من وسط العقبة الى وادي رم حيث يستقل قطار الحجاز البخاري، وهو من ايام الاتراك، وينطلق من مركز زوار وادي رم . وبعد مضي اقل من ربع ساعة على سيره حيث يوجد على متنه جنود يحرسونه وهم بالزي العثماني ويحملون بنادق قديمة العهد. وينبعث منه على طول الطريق دخان ابيض لا ينقطع. وفي ذروة انبهار السياح بهذه الرحلة تهاجم مجموعة من الخيالة القطار في مشهد تمثيلي يعيد إحياء تنفيذ هجوم مقاومين من الثورة العربية في العام 1916 حيث يعملون على أسر العسكريين ومصادرة أسلحتهم.

وبعد الانتهاء من هذا العرض يتابع السائح رحلته والدخول الى قلب الصحراء عبر سيارات رباعية الدفع حيث تنتظره قوافل "سفاري الجمال" ليستقلها الى حين حلول موعد الغداء الذي تحضره عائلات بدوية من ابناء رم حيث يقدمون أطباقاً شعبية وخبزاً ساخناً على الصاج تحضره سيدات ويطلق عليه "الشراك". وعند المغيب يستمتع السائح بمشهد غروب الشمس خلف الجبال الحمراء. وقبيل حلول ساعات المساء ينتقل السائح الى استراحات على شكل خيم بدوية مصنوعة من شعر الماعز وتضم غرفا للنوم للاستمتاع بليل الصحراء الساكن. ويقدم اصحابها وجبة شعبية تسمى "الزرب"، وهي قطع من اللحم والدجاج والخضار والارز توضع في فرن تحت الرمل وتُطهى بحرارة الجمر لمدة أربع ساعات ويتسابق الزوار على التهام صحونها على ضوء القمر.

زيارة رم محطة تبعث الامل في روح كل سائح تطأ قدماه رمال هذه البادية التي زادتها السنون جمالاً ورفعت من مكانة الاردن السياحية بفعل جغرافيا وطبيعة لم تبخل على المملكة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard