في العيد... كل ما يريده هاروتيون العيش بكرامة وتأمين طرفين اصطناعيين

24 كانون الأول 2016 | 19:30

المصدر: "النهار"

جالسًا فوق سريره، ماسكًا سيجارة في يمينه، محملقًا بالتلفزيون، في غرفة صغيرة يتبعثر في أرجائها أعواد الثقاب ويملؤها الغبار، خالية من الدفء على رغم ان أشعة الشمس تبث فيها حرارتها إذ لا ستائر تحجبها وتحول دون دخولها متى تشاء، وتشارك هاروتيون شباريان يومه الذي اعتاد تمضية ساعاته الاربع والعشرين في المكان نفسه على مدى سنوات، بعدما حرم من رجليه، الواحدة تلو الأخرى، فبات سجيناً من دون ذنب اقترفه، الا كونه ضحية مرض السكري الذي يتصارع وإياه منذ اعوام وقد غلبه حتى الآن وحرمه من طرفيه السفليين.


في الطبقة الثانية من مبنى قديم في برج حمود، يسكن هاروتيون (69 سنة)، في منزل خال من كل شيء سوى سرير ومكتبة عليها تلفزيون وصليب، بالاضافة الى علبتي حليب واحدة يخبئ فيها الخبز والثانية قطع الجبن، وجدران علّق عليها صور مريم العذراء والقديسين ووالدته وابيه، علّهم يؤنسونه في وحدته، وينسونه ما مرّ به والذي يصفه بأنه" يهدّ الجبال".

"قصتي طويلة يروي هاروتيون، ابتدأت عام 1995 عندما تعرّضت لحادث سير كبير على طريق الشمال... وبسبب خوفي من الموت أصبت بمرض السكري، لتبدأ معه رحلة معاناتي بداية مع فالج نصفي ومن بعدها غرغرينا في رجلي التي احمرت ثم اسودت حتى اصبحت كالخشبة، الالم الذي شعرت به لا يتحمله انسان، لذلك كان قطعها رحمة، حدث ذلك عام 2011، ليتكرر الأمر في رجلي الثانية عام 2013، ومنذ ذلك الحين وانا جالس في هذه الغرفة اتقاسم فتات يومي مع الفئران".


الحب سبب وحدته
لا يغلق هاروتيون باب منزله، سواء في النهار ام في الليل، إذ كما قال: "انتظر طوال الوقت صوت إنسان يدخل ليمضي معي ولو دقائق قليلة، يشعرني فيها أني ما زلت على قيد الحياة". لكن لماذا لم يتزوج وينجب اولاداً ليقفوا معه في آخرته؟ عن ذلك، أجاب: "أحببت امرأة لخمسة وعشرين عاماً، تعرفت عليها في سبعينات القرن الماضي، كانت أرملة وأماً لفتاتين وكانت تبلغ من العمر 19 سنة، وقعت في حبها، ربيت ابنتيها، وفي النهاية اكتشفت في العام 2003 انها تحب شاباً يصغرها بسنوات وقد تزوجت منه... كانت صدمة عنيفة في حياتي". 

حلم ليس مستحيلاً
شباريان الذي وصف نفسه انه كان "كالحصان"، عمل خياطاً مع اخيه منذ صغره وقبل ان يبلغ العشر سنوات، وعمل بعدها سائقاً وعتّالاً وغيرها من الاعمال، فكما قال: "الشيب الذي يغزو رأسي لم يأت من فراغ، بل بدأ باكرا من رحلة طويلة في عالم مليء بالاوجاع، أحاول ان انساه باضاءة شمعة عن أرواح اصدقائي الذين باعد الموت بيننا". واضاف "أما في ما يتعلق بمرضي، ألوم نفسي، لأني أهملت صحتي كثيراً، والنتيجة اني اصبحت طريح الفراش، لا استطيع النهوض من سريري، حتى ابسط الامور افعلها في مكاني، لا أحد يهتم بي، لم استحم منذ مدة طويلة، حلمي ان اعاود المشي، ان اركّب طرفيين اصطناعيين لأتنقل داخل المنزل وأن أحصل على بضع ليرات لاشتري حاجتي".
رغم كل ما مرّ به الا ان هاروتيون الذي حمل انجيلاً في يده، كان يتحدث بثقة، وصلابة، وقوة ذاكرة، ولفت إلى أن "هذا الكتاب المقدس له تاريخ، فهو يعود الى مئة سنة، حملته جدتي من تركيا عام 1945 وأعطته لأمي عام 1975 قبل ان تهديه لي"، واضاف "مجرد وجوده امامي يشعرني بالراحة، فأنا رجل يعيش على رحمة ربه، اصلي له بشكل يومي، علّه يبعث لي من ينتشلني مما انا فيه في هذا اليوم المجيد".

 

للمساعدة التواصل عبر هذا الرقم: 
70-864557

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard