من السيد "لا أحد" إلى سيد الإليزيه... فيون راهن على "هزيمة الشمولية الاسلامية" وانتصر!

27 تشرين الثاني 2016 | 21:47

المصدر: "النهار"

من الرابع في الاستطلاعات قبل أقل من شهر، خرج فرنسوا فيون اليوم أولاً، لا في الانتخابات التمهيدية لليمين الفرنسي فحسب، وإنما أيضاً الأوفر حظاً لدخول الاليزيه خلفاً لفرنسوا هولاند عام 2017. فكيف تمكن رجل الظل في ولاية الرئيس السابق نيكولا ساركوزي من إحالة معلمه  السابق على التقاعد في الدورة الاولى واخراج رئيس الوزراء الاسبق آلان جوبيه من المعادلة من الدورة الثانية (بأكثر من 60 في المئة من الاصوات بحسب النتائج الاولية) ليصير الأوفر حظاً لدخول الاليزيه السنة المقبلة؟
ليس فيون سياسياً مبتدئاً. عمره السياسي 35 سنة نافس خلالها على مناصب قيادية عدة وشغل منصب رئيس وزراء في ولاية ساركوزي، إلا انه مع ذلك لم يلمع حتى انه لُقّب ب"السيد لا أحد"
بدأ مسيرته السياسية باكراً كملحق برلماني للنائب عن منطقة سارت جويل لو تول، صديق والديه. وعندما أصبح هذا الأخير وزيرا للنقل ثم الدفاع، وظف معه فيون كمكلف مهمات. وعندما توفي بنوبة قلبية عام 1981، انتخب فيون الذي كان في السابعة والعشرين مكانه ليكون أصغر نائب يدخل البرلمان. وفي 1983، فاز في الانتخابات المحلية ببلدة سابلي سور سارت في مسقطه سارت.
تقرب جدا من وزير الداخلية ورئيس البرلمان السابق فيليب سوغان، أحد أبرز المدافعين عن أفكار الزعيم الفرنسي التاريخي شارل ديغول، وتنقل في مناصب وزارية عدة، الى أن مني بعد 23 سنة من العمل السياسي الناجح بأول خسارة انتخابية عام 2004 عندما فاز الحزب الاشتراكي برئاسة مجلس منطقة بلاد لوار. وكانت هذه الخسارة بمثابة ضربة قاسية له إذ أنه أبعد عن حكومة دومينيك دو فيلبان في 2005 نتيجة للتظاهرات التي أثارها مشروعه لإصلاح النظام الدراسي.
ومع انتخاب ساركوزي رئيسا لفرنسا في أيار 2007، أصبح فيون رئيسا للحكومة وبقي في منصبه لغاية وصول فرانسوا هولاند للرئاسة في 2012.
بقي في ماتينيون ظلاً لساركوزي. ولاحقاً، خاض حرباً شرسة خاسرة ضد رفيقه جان-فرنسوا كوبيه على زعامة اليمين.  ولكن بصمت وعلى غفلة من الجميع، نجح الشاب (62 سنة) الوسيم والانيق دائماً في العودة مجدداً وبقوة الى الساحة السياسية، معيداً خلط الاوراق في فرنسا، بعدما تمكن من تحقيق ما أخفق به طوال عقود، الا وهو أن يصير الرجل الاول في المشهد السياسي الفرنسي.

ملف نظيف
خلافاً لساركوزي وجوبيه، ليس في ملف فيون قضايا فساد أو ملاحقات قانونية، وهو ما يصعّب على خصمه، أيا كان، تحدي نزاهته. وثمة اقتناع راسخ بأن صعوده السريع المفاجئ يعود الى أداء مقنع في الاستطلاعات. بخطى ثابتة وواثقة فرض نفسه بديلا أكثر شباباً لكل من ساركوزي الذي خسر كثيراً من شعبيته، وجوبيه. ومع ذلك، أخفقت الاستطلاعات الاولى في تلمس هذا الزخم.
ولعل ما تميز به هذا الرجل خصوصاً كان تغييره مسار النقاش الانتخابي في فرنسا. ففيما كان المرشحون يحاولون منافسة زعيمة الجبهة الوطنية على شعارات معاداة الاسلام وتقييد الهجرة، وهوية فرنسا، اعتبر أن جوهر مشكلة فرنسا تتعلق بالبطالة قبل أي شيء آخر. وسوق لأفكار جديدة في تعزيز النمو وإنقاذ الإنتاج وخلق فرص العمل. وفي برنامجه أيضاً صرامة في ضغط النفقات العامة وحدة في إصلاح ضرائبي لصالح المنشآت والشركات ومنتجي فرص العمل.
وفي هذا ذهب أبعد من جوبيه، شريكه في اجندة تحرير الاقتصاد الذي قطع مع البرامج السابقة ليمين الوسط. فكلاهما وعد بدعم الاعمال وانعاش الاقتصاد بتقليص حجم تدخل الدولة وخفض الضرائب وزيادة سن التقاعد، الا أن فيون بدا طموحاً أكثر، و"تاتشرياً" بتعبيره، متعهداً تقليص سلطة الاتحادات وانهاء قانون ساعات العمل ال35 لاتاحة الفرصة للشركات للتفاوض على دوام العمل في إطار القيود الاوروبية القانونية. وتجرأ على تعهد تقليص حجم قانون العمل الفريد في فرنسا من ثلاثة الاف صفحة الى 1150 صفحة، وهو ما وصفه اليسار بسخرية بأنه "ليبرالي جداً".

المهاجرون والاسلام
في قضايا المهاجرين يقترب في معالجاته من آراء مارين لوبن زعيمة حزب الجبهة الوطنية، بما يجعله حاصداً لأصوات تصبّ عادة في صالحها وصالح حزبها. ومع ذلك لم ينجح صوب العنصرية، وبقي ملتزماً قيم الجمهورية. يصف الاسلام الراديكالي بأنه "توتاليتارية تشبه النازية". وفي تجمع أخير له ذهب الى القول إن الكاثوليك والبروتستانت واليهود "لا يرفضون قيم الجمهورية"، خلافاً لأتباع ديانة أخرى، ملمحاً بوضوح الى الاسلام. ودعا الى تقليص الهجرة الى حدها الأدنى "ذلك أن بلادنا ليست مجموعة مجتمعات،إنها هوية".
وفي كتابه الصادر هذا الخريف "هزيمة الشمولية الاسلامية"، الذي وفر له دعم اليمين، انتقد بحدة الحكومة الحالية لاخفاقها في التعامل مع الارهاب الاسلامي الذي أودى بأكثر من 230 شخصاً في فترة 18 شهراً. وفي ما بدا تبنيا لنظرية صراع الحضارات، حذر من أن "الغزو الاسلامي الدموي لحياتنا اليومية ينذر بحرب عالمية ثالثة". وقبل فترة قصيرة، حظي بترحيب قوي من المناصرين في ليون عندما قال إن "الاسلام الراديكالي يفسد بعض مواطنينا المسلمين". وتعهد رقابة ادارية على الاسلام في فرنسا، بما فيها حل الحركة السلفية وحظر الخطب بالعربية. والصيف الماضي، دعم قانون يحظر ارتداء البوركيني على الشواطئ الفرنسية.

أدرك ابن كاتب العدل والكاثوليكي الملتزم، باكراً أهمية الصوت الكاثوليكي المحافظ وسط العداء المتزايد للاسلام في فرنسا والغرب. فأصر طوال الحملة على تقديم نفسه بأنه مسيحي، وهو ما قاله أيضاً في كتابه-البرنامج الصادر عام 2015. ونشر مقالاً مع السناتور برونو روتايو في مجلة "فالور أكتويل" نوه فيه بالسماح بوضع مغارات الميلاد في الأماكن العامة، واصفاً هذه الخطوة بأنها "انتصار فرنسي". وقبل سنة تقريباً، قالت إحدى مناصراته الاكثر حماسة فاليري بوييه إنها تحلم بذكر "الجذور المسيحية لفرنسا" في الدستور.
وذكر دائماً بتصويته ضد زواج المثلين عام 2013، وأكد معارضته بصفته الشخصية الاجهاض، وإن يكن رفض المطالبة بتغيير القانون المعمول به في هذا الشأن.

السياسة الخارجية
ليست آراؤه في السياسة الخارجية عاملاً أساسياً في الانتخابات، ليس لأن الاقتصاد يهم الناخب الفرنسي أكثر فحسب، وإنما أيضاً لأن دور فرنسا في الخارج يبقى محدوداً مقارنة بالدور الاميركي مثلاً. ومع ذلك شكلت آراؤه قطيعة مع الخط الفرنسي المعمول به حالياً، بما فيها لناحية العلاقة مع روسيا أو ما يتعلق بمقاربة الازمة السورية.
ويبدو المرشح اليميني بحماسة مارين لوبن لروسيا. وخلافاً لزعيمة الجبهة الوطنية، لا يمكن اتهام فيون الثري والمقرب من رجال الاعمال بأن اسمه مدرج على كشف رواتب الكرملين. وهو غالباً ما أبدى دعمه للتدخل الروسي في سوريا، معتبراً أن موسكو أساسية في حل النزاع ويرفض الدعوة الى ازاحة الاسد قبل الحاق الهزيمة ب"داعش". وعام 2013، حل ضيفاً على منتدى "فالداي" الذي يستخدمه بوتين ونخب السياسة الخارجية لنقل اراء روسيا الى خبراء غربيين. وفي حينه دعا فيون، لا الى التعاون في سوريا فحسب، وإنما ذهب الى حد الاعراب عن أمله في الغاء التأشيرة القصيرة الامد لروسيا، وهو أمر ليس متداولاً أصلاً.
الى ذلك، عارض فيون بحماسة العقوبات ضد روسيا على خلفية غزوها القرم. وفي نيسان رحب بقرار برلماني فرنسي يدعو الى رفع العقوبات، واصفاً اياها بأنها "غير كفية ومدمرة لمزارعينا"، ولها تأثيرات مضادة.
وخلافاً لترامب الذي بدت تصريحاته عن روسيا متسرعة وارتجالية طوال الحملة، فان فيون سياسي متمرس الذي يتمتع بكثير من الخبرة الدولية، يعرف عما يتكلم. لذا يعتقد أنه سيتمسك بمواقفه بعد الانتخابات.
monalisa.freiha@annahar.com.lb
twitter @monalisaf

ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard