صورة عهد عون بين تجاذبات المحاصصة... ماذا عن الرئيس القوي في ظل الطائف؟

27 تشرين الثاني 2016 | 14:02

المصدر: "النهار"

لم تتبلور الصورة النهائية للنظام بعد انتخاب العماد ميشال #عون رئيساً للجمهورية.بقيت الأسئلة قلقة لدى اللبنانيين عن مستقبل الحكم وطبيعته وتركيبته في ضوء التجاذب حول الحصص الحكومية بين الأفرقاء الذين أوصلوا عون الى موقع الرئاسة، وآخرين أمنوا التغطية السياسية والطائفية لإنجاز الاستحقاق.ويبدو أن الحصيلة، على ما نشهده من شد حبال وخلاف حول الحقائب الوزارية والحصص، هي توافق أو اختلاف بينمجموعة تناقضات سياسية وطائفية، وخيارات مختلفة وحسابات ومصالح، لا يجمعها إلا المشاركة في الحكم، فيما تغيب البرامج السياسية الواضحة في مقاربة المستقبل اللبناني في منطقة لا تزال مشتعلة.

يتركز النقاشفي موضوع تشكيل الحكومة على الحصص وفقاً لحسابات المكونات السياسية والطائفية في البلد، وهي التي تقود الأيام اللبنانية الراهنة. ومع هذا النقاش والتجاذب تراجعت فكرة الرئيس المسيحي القوي الذي يمكنه أن يحكم باستعادة الصلاحيات، وهي التي رفعها "التيار الوطني الحر" بتحالفه مع "القوات اللبنانية" التي لها حساباتها ايضاً وتصر على حقائب وزارية معينة. لذا عادت الأسئلة تخرج الى العلنعن الرئيس الحكم بين اللبنانيين، وعن القدرة على الحسم في تشكيل الحكومة، وما إذا كنا نشهد اليوم بداية تشكل تكتلات جديدة قائمة على الثنائيات، منها ثنائية مارونية سنية مدعومة من الموقع الذي يمثله وليد جنبلاط درزياً، الى مستقبل العلاقة مع الطائفة الشيعية بثنائيتها #حزب_الله و"حركة أمل" وحصتهما في الحكم؟ أما السؤال الأهم فهو عن اتفاق الطائف؟ وما إذا كانت حقوق الطوائف ستبقى مكرّسة ثنائية أو ثلاثية أو حتى رباعية وخماسية وفق موازين القوى والتحالفات.

ليس في الأفق، ما يشير الى أن الحكومة ستبصر النور قريباً، وهذا يعنيأن لا استقرار حقيقياً في البلد، طالما لم تحسم ملفات عالقة بين الطوائف والقوى السياسية على مقلبي 8 و14 أذار أو التحالفات المستحدثة القائمة، فهل نشهد سيناريو، يفتح على احتمالات ثنائية سنية مارونية، بينما نجد في الطائفة الشيعية خلافاً بين الثنائي حول العلاقة مع الرئاسة الأولى، فضلاً عن الحصص، على رغم أنه لم يتحول انفكاكاً شيعياً، علماًأن الرئيس نبيه بري يصر على حقائب معينة انطلاقاً من حيثيته في الحكم والطائفة منذ عام 1992، وهو قادر على أن يؤثر في مسار البلد وأموره. وماذا عن قوى أخرى وطوائف تتحفز على المقلبين ليكون لها حصة في الحكومة، حتى أن وئام وهاب يريد حصة له من حساب الطائفة الدرزية في الحكومة.

لم يخرج موقع الرئاسة حتى الآن من دائرة التنسيق بين التناقضات اللبنانية، فهو ليس موقف الحكم، وهذا يعني أن هناك عوائق وعقبات لفكرة الرئيس القوي في قصر بعبدا. فالرئيس لن يكون قوياً في ظل التركيب الذي يقود البلد، وبعض تغطياته الإقليمية والعربية، فيما يبقى عنصر القوة الوحيد، هو ضبط التركيب السياسي لدى الطوائف المسيحية، التي بدأت تتحول الى ما هي عليه الطوائف الأخرى.

يطرح سياسيون ايضاً مصير الطائف، فهل يبقى هذا الاتفاق؟ أم سنشهد تغييرات بنيوية، قد تنعكس على الواقع اللبناني ومشهده العام، وعلاقته بالمنطقة. ماذا عن الثنائيات المستقبلية؟ علماً أن في الداخل المسيحي وتحالفاته، هناك طموحات واعتبارات لفرقاء آخرين، فيما تندلع معارك المحاصصة الطائفية والمذهبية حول تشكيلالحكومة الجديدة، وتؤدي الى انعدام الاستقرار السياسي، وفق أحد السياسيين الذين تابعوا تجربة الحكم على أساس الطائف منذ مطلع تسعينات القرن الماضي، ويقول، أن لا رئيساً قوياً وفق هذا الاتفاق الذي نظم توزيع الحصص في النظام، الى مواقع الهيمنة في الدولة ومؤسساتها.
يقول السياسي الذي تابع ملفات منذ أن أخذ اتفاق الطائف طريقه تحت سلطة الوصاية السورية مطلع التسعينات، أن الطائف أرسى توازنات طائفية وسياسية وهيمنات متعددة في البلد، إلى حد جعل من غير الممكن أن يخرج ذلك الرئيس القوي الذي عرفناه قبل الحرب الأهلية، والذي كان يحافظ على الميثاق ويتصرف من منطلق وطني عام. لذا، أرسى الاتفاق ما يسمى توزيعاً للمحاصصة الطائفية والمذهبية وأعطى كل طائفة حقوق نقض دقيقة وصارمة، لا يمكن أن تولد استقراراً سياسياً أو سلماً وطنياً، فكنا نشهد على الدوام اشتقاق حلول لأزمة المحاصصة، بدءاًمن حكم الترويكا بين الرئاسات الثلاث، وصولاً الى تدخلات من قوى سياسية كانت ترعاها سلطة الوصاية لمنح حصة لها من الخارج.

انطلاقاً من ذلك، يطرح هذا السياسي علامات استفهام حول مستقبل التشكيل الحكومي، وبالتالي مستقبل الحكم القوي عامة، فإذا كان التجاذب في التشكيل الحكومي ليس مسألة طارئة على الممارسة السياسية، إلا أنه يستكشف مدى ضحالة منطق الحديث عن إمكان الإصلاح الطائفي. وقد يأخذنا هذا الأمر الى نوع من المحاصصات الجديدة، التي يمكن أن تتدرج تباعاً من الثلاثية الى الرباعية وحتى الخماسية، لكنها لا تفتح على إمكان ترسيخ الاستقرار في البلد، ولا تعطي في المقابل حجماً جديداً من الصلاحيات للرئاسة الأولى، ما لم يعد الاعتبار في بعض ممارسات الطائف، أي الفرز بين العام والخاص، أي أن تعود الدولة الى ممارسة دورها في تسيير شؤون المجتمع والبلد، بعيداً من ضغوط الخاص الممثل بالطوائف وعصبياتها ودويلاتها، وهو أمر شبه مستحيل في ظل التوازنات الحالية.

ibrahim.haidar@annahar.com.lb
twitter: @ihaidar62

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard