"الإسلام في شعر المسيحيين": الآخر هو نحن

23 تشرين الثاني 2016 | 17:40

المصدر: "النهار"

  • رلى راشد
  • المصدر: "النهار"

ليس سِرّاً إذا قلنا إن القرن الواحد والعشرين لم يعد لحظة للحوار والتقارب بين اختلافات الناس، وإنه بات، ويا للأسف، تمريناً على نبذ كل سمة حسنة عند المغاير، وإقصاء لحاسة الإصغاء إلى ما يكتنزه الآخر ومن شأنه أن يغنينا في حال أقدمنا على اعتناقه عفوياً، مُسقطين الإرتياب والأفكار المسبقة.

في زمن التخوين والتشبّث المَرَضيّ بتفاصيل الولادة والإنتماء الطائفي والجغرافي والعرقي، تتراءى رغبة فارس يواكيم في توثيق "الإسلام في شعر المسيحيّين" في إصداره الأحدث، حركة تعاكس تيارات الإنعزال والتقوقع وتجيء بمثابة تذكير بتلك الصلات الوشيجة بين دينين سماويين تلاقحا على مستوى المعيش وتداخلا أدبيّاًً وشعريّاًً.

لا يقول يواكيم على نحو صريح إن إنزلاقات الزمن الراهن حدت به للمبادرة إلى إنجاز مؤلّف يناقض المناخ المتشنّج العام، بيد انه يذكُر في مقدمة كتابه انه يحاول ومن خلاله تعميق معرفة الآخر التي من شأنها وفق تعبيره أن "تبدّد أسباب التعصّب". والحال انه يَردّ فكرة بزوغ نصه إلى مقال في مجلة "الهلال" المصرية، بتاريخ 1976، تناول قصيدةً عن الرسول للشاعر السوري وصفي قرنفلي ترتقي إلى عام 1934، وهي ترد في الكتاب. والحال ان صاحب المقال المذكور آنفاً وهو بعنوان "شاعر عربيّ مسيحي يكتب عن محمد" كان إستنجد بالتاريخ الشعريّ ليأتي بالقرينةالدامغة على وحدة عربيّة بين المسيحيين والمسلمين تعارضت مع حيثيات الصراع الأهلي اللبناني المحتدم آنذاك.

يعتمد يواكيم الترتيب الألفبائي في عرض ثلة من القصائد تخصّ شعراء ينتمون إلى أجيال مختلفة وهم أصحاب تجارب متفاوتة ومن بينهم إدوار مرقص وإلياس فرحات وإلياس قنصل وبولس سلامة وجاك شماس وجورج رجّي وجورج شكور ناهيك بخليل مطران وشبلي الملاّط ومارون عبود ونقولا فياض وسعيد عقل وآخرين.

والحال ان يواكيم يفرد مساحة لكل علم يضمّنها سيرته الموجزة أو الأقل إيجازاً فقصيدة أو قصائد في منجزه تدعّم حجّة المؤلَّف. ها هو إلياس فرحات مثلاً يكتب قصيدة في مديح الرسول بعنوان "يا رسول الله" وها هو آخر بهوية إدوار مرقص، وهو المولود في اللاذقية في 1878 والمتحدّر من أسرة طرابلسية يخصص قصيدة "ترجمان القلب" (1926) لذكرى المولد النبوي الشريف ليعدّه عيداً مسلما ومسيحياً على السواء وحيث نقرأ "العيد للمسلمين اليوم والعرب/ فيه مع الدين معنى الودّ والنسب/ فالعيد مشترك إن خصّ مسلمنا/ من جانب الوحي والإيمان والكتب/ عمّ المسيحي فينا فهو مفخره/ من جانب الشعب والأخلاق والأدب".

في رصيد الشاعر اللبناني بولس سلامة محطات عدة، هو الآخر، في سياق الإضاءة على التاريخ الإسلامي ومن بينها ملحمة "عيد الغدير" وقصيدة "علي والحسين" يمرّ بها يواكيم قبل أن يستمهّل بعض تفاصيلها وينتقل إلى توثيق ثلاث مطوّلات في رصيد الشاعر المعاصر جورج شكور في موضوع الإسلام هي "ملحمة الحسين" (التي يعتزم استكمالها بـ "ملحمة السيدة زينب") و"ملحمة الإمام علي" و"ملحمة الرسول".

ليس من باب التفصيل العَرضي أن يكون جميع هؤلاء الشعراء الذين يستعيدهم يواكيم في إصداره وعَبَروا إلى الضفة الأخرى (في استثناء الشاعرين السودانيين صالح بطرس وعزيز التوم منصور) من اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين، أي انهم يتحدّرون من مجتمعات مُتعدّدة سمحت وخلال قرون عدة، وإن في نسب متفاوتة، وبفضلتكوينها الفسيفسائي، باكتشاف نموذج الآخر الداني جداً. لم يأتِ التاريخ بحلقات من التناغم الصافي بين الأديان في منطقتنا ولا شك في ان مراحل قاسية من الصراع قد وسمته، لكنه ظلّ ممكناً وعلى رغم ذلك، أن نُصغي لأصوات احتفت بالمتمايز وباتت اليوم، ويا للأسف، هوامش فحسب، بنتيجة التشوّهات الفكريّة التي تصيبنامن كل حدب وصوب.

في القرن المنصرم ذكر سارتر ان الجحيم هو الآخر ليستنبط مواطنه وحرفيّ الشعوب البدائية كلود ليفي ستروس مقاربة مختلفة جعل من طريقها الجحيم هو نحن.

ليس نصّ يواكيم "الإسلام في شعر المسيحيين" الأول من نوعه في مجال مطاردة المشترك في شرق منصرف لم تكن قد مسخته العصيبات على نحو فاقع بعد، وربما يحتمل أن يضاف إلى مختاراته، لكن الكتاب في مآله وفي توقيته مؤات تماماً، ذلك انه يقول إن الآخر هو نحن أيضاً.

roula.rached@annahar.com.lb

Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard