"المحرومون الجدد": المظلومية المسيحية

23 تشرين الثاني 2016 | 14:34

المصدر: "النهار"

على وقع زيارة رئيس الجمهورية الأخيرة إلى بكركي، ارتفعت نبرة البطريركية المارونية في مواجهة ما رأته "وصاية" على الدستور ومحاولةَ فرضٍ لأعراف غريبة عمّا اتفق عليه اللبنانيون. فالسلال المسنودة إلى فائض قوة عسكري، والوزارات المكرّسة لطوائف، هي أشبه بفرض وصاية جديدة على الواقع اللبناني وأشبه بفرض احتلال لمواقع وزارية لم يكرّسها دستور الطائف. استدعى موقف البطريرك الماروني، ردًّا من نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، حاول فيه إعلان تسيّد "الدم الشيعي" المبذول، على بيدر السياسة اللبنانية، مذكرًا بالمحرومية الشيعية وواضعًا السلّة كحجّة لقتل شبح عودة هذه المحرومية (المستمرّة؟).

إن سردية "المحرومية الشيعية"، التي رُفعت أيام الحرب اللبنانية كخطاب بوجه الموارنة، كانت أداةً أصيلة بيد "الحزب اللهيين" لإحياء الثورة المستمرّة، ولتحميل الموارنة مسؤولية الحرمان الذي طال الشيعة. ولكن استدعاءها في زمن السلطان السياسي والسطوة العسكرية الذين أمسيا بيد الحزب وبيئته و"شيعته"، ليس في مكانه أبدًا، وينقصه المنطق والواقعية. فمن هم المحرومون والمظلومون فعلًا في ربع القرن الأخير، أي منذ بدء تطبيق "الطائف السوري" في لبنان؟


على الصعيد السياسي
سُجن ونُفي وقُتل القادة المسيحيون الأكثر تمثيلًا للشارع المسيحي. ومثّل المسيحيين - أو "مثّل عليهم" - مجموعة من نواب الصدفة أتى بهم زمن الغفلة إلى الموقع النيابي – بعد مقاطعة مسيحية شبه كاملة للانتخابات النيابية الأولى في عهد الطائف السوري – وأتت بهم "بوسطات" الاحتلال السوري التي "سارت على أجساد المقاومين"، ولنقلها المسيحيين، الذين رفضوا الواقع يومها. كانت تركّب القوانين الانتخابية على مقياس "منع تمثيل المسيحيين المعارضين للاحتلال السوري"، وقد كانوا الأكثرية في الشارع المسيحي. واستمرّت الحال هذه حتى بعد زوال الاحتلال السوري، فلا القانون الذي جرت عليه انتخابات 2005 ولا قانون الستين، يعطيان المسيحيين في لبنان حقهم في المشاركة الفعلية، عبر مناصفة حقيقية نص عليها اتفاق الطائف. فمن هم المحرومون الفعليون طوال ربع قرن؟


على الصعيد الخدماتي
لم يكن للمسيحيين "صندوق" في عهد الاحتلال السوري ولا كان لهم بعده أيضًا. ففي مقابل صناديق الجنوب والمهجرين والإعمار، كان هناك أبناء منطق دولة، دفعوا ضرائب بنسب أعلى بكثير من غيرهم من اللبنانيين، أعطوا خزينة الدولة أكثر مما أخذوا منها، إذا ما قيست المسألة بالنسب بين المجموعات اللبنانية. تُكَلَّف المؤسسات التعليمية الخاصة المنتشرة بنسبة أكبر عندهم، بضريبة تدفعها لحساب المدرسة الرسمية، مع العلم أنه بالنسبة لخزينة الدولة، فإن كلفة الطالب في المؤسسات التربوية الرسمية هي ثلاثة أضعاف كلفته في المؤسسات الخاصة. لا مرفأ يسيطرون عليه ولا مطار يصادرونه، ولا تهرّب عندهم من الرسوم الجمركية التي تفرض على البضاعة المستوردة. لا دافع عندهم للدخول في سلك الوظيفة الرسمية أو لا داعم لهم هناك، في مقابل شبكات الريوع التي استباحت وظائف الدولة وأدخلت جماعاتها، جماعات جماعات إليها، وأمست بيدها ورقة "نقابية" تحركها وفق الأهواء السياسية. فمن هم المحرومون الفعليون طوال ربع قرن؟


على الصعيد الأمني
لـ"حزب الله" دولة، ليس ضمن الدولة، إنما فوق الدولة. وأجهزة أمن الطوائف تُشرّع من ضمن أجهزة الدولة، وربما لم يُخطئ من قال إن شرطة مجلس النواب هي جهاز أمن "شيعي" لرئيس مجلس النواب، وفرع المعلومات هو جهاز أمن "سنّي" لرئيس الحكومة، بينما كانت الأجهزة العسكرية الرسمية الباقية، سيفًا مسلطًا على رقاب الحراك المسيحي الاستقلالي الذي ناضل في سبيل دحر الاحتلال السوري. ماذا عن الأمن العام؟ لماذا أُخذ من المسيحيين وهل مسموح استرداده؟ ماذا عن جهاز أمن الدولة والطريقة التي تم التعاطي من خلالها معه في الفترة الأخيرة؟ فمن هم المحرومون الفعليون طوال ربع قرن؟

 

عهد جديد؟
المحرومون الفعليون والحقيقيون والوحيدون في زمن الطائف السوري هم المسيحيون في لبنان. ومن حقّهم أن يستردّوا حقّهم بالمشاركة الفعلية في النظام، تطبيقًا لما نصّ عليه الاتفاق الحقيقي في الطائف. المدخل الأول والأساس لهذه الاستعادة المتأخرة للدور المسيحي في لبنان، هو وحدة الرؤية عند الأكثرية الواضحة من المسيحيين، وهذا ما تجلّى في التحالف الذي بدأ يظهر أكثر فأكثر بين "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر"، والذي أتته مواقف بكركي، كرافد أساسي يكمله ويدعمه ويقويه.


أن تتكلّم مجموعة مظلومة فعلًا ومحرومة فعلًا، على المشاركة بالتساوي في إدارة الوطن الذي كان لها دور أساسي في إنشائه، فهذا أقل الإيمان، والظلم الفعلي هو الوقوف بوجهها بحجة ادعاء مظلومية تاريخية وبحجة تسيّد الدم، وكأن المسيحيين لم يبذلوا دمًا ولا تضحيات في سبيل لبنان. المحرومون الحقيقيون اليوم، والمظلومون الحقيقيون أقله منذ ربع قرن، هم المسيحيون في لبنان، ويجب الانتهاء من هاتين المحرومية والمظلومية، "لئلّا يصيبنا الأدهى...!"

هذا الخبز الصحي لم تتذوقوا له مثيلاً

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard