فليجعلوا صوتكِ هو البلاد وهو الاستقلال الحقيقي

21 تشرين الثاني 2016 | 08:12

عندما قبّلتُ يدكِ احتراماً، في حزيران 1986، لمناسبة التعازي بعاصي رحباني، وسألتِ الذين حولكِ مَن يكون هذا الرجل الغريب الذي لم يسبق لكِ أنْ رأيِتِه يوماً، ولا عرفتِ له وجهاً ولا اسماً، كنتُ أحقّق أمنيةً لطالما كانت تراودني مذ بدأتُ أُنصِت إلى صوتكِ وأنا طفل.

لم يكن مستغرباً أن أفعل ذلك، أنا الذي لا ينحني لأحد، لإيماني العميق بأنكِ تجسّدين كرامتنا الوحيدة، وبأن صوتكِ هو استقلالنا الوحيد.
لستُ من مريديكِ الذين يرون فيكِ هالةً مقدسة، ويسبغون عليكِ صفات التكريم المجرّد التي تُعمي المرء عما يراه، وعما يجب أن يراه.
لا أستسيغ هذه الصور التي يغلب عليها طابع العبادة والتأليه، في حين أن ما ينبغي لهؤلاء المريدين أن يفعلوه، هو أن يجعلوا صوتكِ منارةً فعلية لحياتهم. وأن يتوقفوا عن القتل، والحقد، والعنف، والنهب، والفساد.
هكذا بدل أن ينصرفوا إلى التباري بالتقريظ الممجوج والمكرور، والتعبير عن الحبّ اللفظي، الظاهري، الخالي من المعنى والشعور، فليحبّوكِ فعلاً لا قولاً.
وليحبّوا الإنسان.
وليحبّوا لبنانكِ وفلسطينكِ وسورياكِ، كما يجب أن تُحَبّ هذه البلدان، التي إذا رأينا ما يصيبها الآن من مآسٍ، وما يعتريها من أوجاع، لتأكّد لنا أن أحبّاءها المزعومين هم قَتَلَتُها الحقيقيون.
أعرف يا فيروز أنكِ تستحسنين أن تمرّ ذكرى ميلادكِ بخفر وبكتمان، بعيداً من ضوضاء الكلمات، وجعجعة وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.
أعذريني إذا كنتُ أتورّط على غرار الآخرين، باغتنام هذه المناسبة الشخصية الحميمة لقول هذا الكلام.
من مريديكِ إذا كانوا يحبّونكِ حقاً، أطلب الآتي:
فليرَوا صوتكِ.
وليجعلوه منارتهم في هذه العتمة الوجودية والشرقية الماحقة.
وليجعلوه الطريق إلى أرض لبنان وفلسطين وسوريا والعراق التي يحبّونها.
وليجعلوا صوتكِ هذا، هو هذه البلاد. وهو استقلالها الحقيقي.

akl.awit@annahar.com.lb 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard