المؤرّخ والمفكّر بيار روزانفالون لـ "النهار": "القانون هو المعلّم الصالح"

13 تشرين الثاني 2016 | 09:55

تصوير ساكو بيكاريان

تاريخ الديموقراطية الثقافي والتحوّلات المعاصرة ناهيك بالحكم الصالح، ثلة من المحاور من بين أخرى، بنى حولها المؤرّخ والمفكّر والأستاذ في "كوليج دو فرانس" الفرنسي بيار روزانفالون، منجزه المحوري الذي مهّد لولادة "جمهورية الأفكار"، بإسم خليّة التفكير التي أسسها في 2002. بدءا من سبعينيات القرن المنصرم كان أحد منظّري "اليسار الثاني" وهو حافظ مذّاك على ريادة دفعَت به إلى مقدمة المشهد الفكري الفرنسي. في وسط حياة الأفكار، يرسم روزانفالون خريطة فسيحة للنقاش مررنا بقسط منه حين حاورناه في مكاتب "النهار"، على هامش مشاركته في "معرض الكتاب الفرنكوفوني":

مسارك غير إمتثالي. قبل أن تبدأ التدريس الجامعي في الثمانينيات من القرن العشرين، مارست نشاطات نضاليّة. كيف يسع المناضل راهنا، أن يساعد الأستاذ الجامعي وكيف يمكن الأخير أن يدعم المناضل؟
كيف يدعم المناضل الأستاذ الجامعي؟ ببساطة مطلقة، لأن المناضل قريب جدا من الواقع ووارث مجموعة من التجارب والفشل وخيبات الأمل تكوّن مجال إستفهام يحاول، وبدءا منه، الحصول على جوابات والعثور على السبل للإضاءة على المسائل، بعيداً من الشعارات. صرتُ أستاذا جامعياً سعياً إلى الردّ على إستفهامات راودتني كمناضل، ولكي أنتقل من التأمّل المبني على صوغ المفاهيم على نحو تقريبي إلى صوغ المفاهيم على نحو أكثر تركيباً وصلابة ويأخذ في الحسبان العمق التاريخي لإستفهامات اليوم. الديموقراطية تجربة طويلة الأمد وتشمل وعودا لا يجري الإلتزام بها دوماً ناهيك بخيبات أمل وانقلابات. باتت أنظمة ديموقراطية عدة وفي لحظة معينة، أنظمة إستبدادية أو شمولية. ينبغي لنا تالياً إعادة فهم هذا التاريخ ولحظات الإنعطاف والتحولات فيه، وأن نجد أيضاً العناصر التي تسمح للتجارب التاريخية في القارات والبلدان المختلفة بأن تتحاور.


ثمة جيل يسمى"جيل الألفيّة" بلغ سن الرشد في مطلع القرن والواحد والعشرين في موازاة تطوّر تقنيات التواصل، وهو ينبذ السياسة التقليدية ويعبّر سياسياً عبر المنصات الرقميّة. فهل يواجه النضال في صيغته الحديثة صعوبات أكبر من النضال التقليدي، وهل صار نموذج المناضل البطل الذي يوحي بالثقة ويتولّى المهام وحيداً، بائداً اليوم؟
في تعريفها التقليدي والإشتقاقي، تعني كلمة المناضل، الجنديّ. المناضل ليس الناشط فحسب إذاً وإنما الجندي الصغير الوفيّ لمنظمة معينة أيضاً. لكن هذا التعريف بات بائداً لسببين، أولاً لأن الأحزاب الكبرى لم تعدّ تضطلع وبالدرجة عينها بمهمة ترتيب الحياة السياسية والإجتماعية، ناهيك بأن الحياة صارت أقل خضوعاً لـ "الماكينات الكبرى" التي يلتحق بها المناضلون. السبب الثاني هو التبدّل الثقافي لأن الأفراد اليوم يرفضون أن يكونوا الجنود الصغار الذين ينفّذون أوامر تصدر من الأعلى وهم يطالبون بقدرة أكبر على اتخاذ القرار. هناك إذا أسباب مؤسسية وإجتماعية وأخلاقية وثقافية تجعل النضال في الصيغة القديمة أقل حضوراً، لكننا نخطىء إن ظننا أننا انتقلنا من عالم التنظيم إلى عالم الأفكار والتعليمات المبعثرة على الإنترنت. ليس الإنترنت وسيلة إعلام، إنه شكل إجتماعي. لا يتكوّن الرأي سوى حين يبلغ وسائل الإعلام وهو لا يبلغها سوى عبر الإستطلاع الذي يحاول أن يُدخِل الرأي ضمن فئات توصيفية. كان الرأي موجودا من خلال الناطقين الرسميين الكبار، وعبر الأصوات المعنوية أو الثقافية الكبرى والأحزاب أيضاً. أما اليوم فلم يعد الرأي موجوداً سوى مُحلَلاً على نحو ما من خلال المؤسسات أو الأشخاص، وثمة انطباع بأن في وسع أي شخص أن يُعبّر عن نفسه وأن لكلمته قيمة. لكن هذا الواقع يؤدي إلى الضوضاء. هناك حاجة إلى عملية تصفية تجري عبر جمع هذه الآراء والإقرار بأننا نجد إلى جانب الآراء المنظّمة، أشكالاً من الآراء السلبيّة وغير المتحضّرة، من نسق الشائعات والميل إلى تبسيط العالم ومقاربته وفق منطق المؤامرة. والحال ان جميع هذه المقاربات تلِد من الإبتعاد من الواقع. يُصدّق الناس المؤامرة وينشرون الشائعة حين يقتنعون انهم غير قادرين على المشاركة في صناعة التاريخ المتكوّن. يكمن التحدي الديموقراطي الحقيقي اليوم في إعادة تملّك هذا الواقع وفهمه، بغية تأسيس مواطنة أكثر فعالية.

في "الحكم الصالح" تُظهر تركيب الديموقراطية التي لم تعد حكم الإنتخابات والإقتراع فقط وإنما حركة مواطنيّة أيضاً. بزغَت أخيراً حركات "الساخطين" مثل "لنحتلّ وال ستريت" في الولايات المتحدة الأميركية و"بلاتفورما ديموكراثيا ريال يا" في إسبانيا، فهل تشكّل مجموعات ضغط تؤسس لتغيير إجتماعي وتحرّر،على نسق "حركة أيار 68"؟
هذه المجموعات من "الساخطين" كمثلNuit debout في فرنسا محدودة من حيث العدد وليست جماهيرية مثل حركة "أيار 68"، لكنها أدّت إلى ظهور بعض الأحزاب الجديدة تضمّنت برامجها الإبتعاد عملياً من ممارسات الأحزاب التقليدية. يمكن ذكر "حزب القراصنة" في إيسلندا أو "بوديموس" في إسبانيا أو "سيريزا" في اليونان. لم تكن إذاً حركات إجتماعية جديدة وإنما نواة لجيل جديد من الأحزاب تبدو قادرة جداً حين يتعلق الأمر بوعود التغيير، وتغدو أحزابا تقليدية بعض الشيء حين تطمح إلى تولّي السلطة. في حالات كثيرة حفّزت هذه الأحزاب التوقّعات والتجارب والآمال لكنها لم تبدّل أسلوب العمل السياسي. تختلف الحركات الناشئة عن تلك التي بلغت سن الرشد. انه لوهم أن نظن التحوّل في الديموقراطية يتمّ من طريق تبديل الأحزاب القديمة غير النافعة بأخرى جديدة وجيّدة. طبعاً من الضروري تجديد الأحزاب السياسية، ونحن بتنا نلحظ تطبيق تقنيات ديموقراطية جديدة عبر تطوير الإنتخابات التمهيدية مثلاً أو تنظيم النقاشات العامة، ففي فرنسا مثلاً ثمة "لجنة وطنية للنقاش العام" تتناول موضوعات خاصة بالبنى التحتية. لكن هذا ليس سوى أحد مجالات التطوير الديموقراطي، أما المجال الثاني فهو التطوير الخاص بالإنتخابات. أذكر في "الحكم الصالح" ان الديموقراطية لا تعني تحسين تقنيات تعيين أولئك الذين يحكمونا فحسب وإنما هي مسار دمقرطَة ممارسَة السلطة أيضاً. تطبّق الديموقراطية الإنتخابية خلال فترات متقطعة، ولا تعني الديموقراطية إجراء الإنتخابات على نحو دائم، وإنما استعادة وظائف البرلمان الكبرى تاريخيا، أي التشاور والتقويم والتدقيق والوقاية. لم تعد هذه الوظائف مطبّقة في البرلمانات التي صارت هيئات لمرافقة السلطة أي لمساعدة السلطة التنفيذية على تنفيذ مهامها أو صارت هيئات عرقلة. باتت هيئات إيجابية أو سلبية إذاً، والحال ان الأحزاب السياسية تنظّم هذه الوظائف البرلمانية الجديدة التي جُرّدت من فحواها.

في "الحُكم الصالح" تشير إلى ان العلاقة بين الحاكمين والمحكومين هي التحدّي المركزي للديموقراطية المعاصرة راهنا. لكن ليس هناك في رأيك نظريّة ديموقراطية للعمل الحكومي، فكيف تفسّر هذا النقص؟
كان تاريخ الديموقراطية تاريخ إنتاج القوانين لأن الديموقراطيات أرادت أن تبلور سلطة غير شخصانيّة للقانون في مقابل السلطة الشخصانيّة المتمثّلة بالأنظمة الإستبدادية. القانون هو المعلّم الصالح لأنه لا يقمع وهو موضوعي ولا يتعامل مع الأفراد إنطلاقاً من اختلافاتهم. ثمة تقديس للقانون في التأمّل الفلسفي الذي رافق تطوّر الديموقراطيات، لكن وفي تلك الحقبة أُُدرج القانون في سياق رؤية إعتبَرت انه يمكن حُكم العالم على نحو بسيط وعبر حفنة قوانين. تبيّن لاحقاً ان تضخّم القوانين كان ضرورياً بسبب تركيب العمل العام وإيقاعه وبسبب عيشنا في عالم معولم أو مأزوم. يمكن تحديد بعض عناصر البرامج سلفاً طبعاً، لكن الحكم يعني أيضاً ان نتصرّف إزاء غير المنتظر وأن نتمكّن من إدارة الأزمات والحوادث والصعوبات التي نصادفها تباعاً. بُني كل التنظير الديموقراطي على فكرة الإنتاج الديموقراطي للقانون، بينما باتت اليوم الممارسة الديموقراطية للسلطة التنفيذيّة (وعلى خلفية توسّع السلطة التنفيذية) بعداً إضافيا محورياً في الحياة الديموقراطية.

تتحدّث عن رؤساء ورؤساء حكومات يطبّقون أفكار ماكيافيلي وتصف تصرفاتهم بالمتقلّبة. يكتب ماكيافيلي في "الأمير" ان "الحُكم هو الإدّعاء". فهل يفسّر الإنتقال من سياسة البرامج إلى سياسة الأشخاص، نزعة السياسيين إلى الإضاءة الإعلامية على حياتهم الشخصية؟
نخطىء إن ظنّنا السياسة الحديثة قد تشكّلت عبر التغطية الإعلامية وإن لعبَت دوراً طبعاً. في القرن التاسع عشر وقبل ولادة التصوير الفوتوغرافي غابت صور المرشحين فجرى الإقتراع لأسماء لم ترتبط بمقاربة حسيّة. شكّلت الصور التحوّل الجوهري الأول في الديموقراطية لأنها منحت وجهاً لفكرة معينة نحو 1860، أما التغطية الإعلامية مثلما نقاربها اليوم أي عبر التلفزيون خصوصاً، فتعود إلى 1960 تقريباً. نمَت التغطية الإعلامية بسبب مركزية السلطة التنفيذية. في فرنسا مثلا ضمّت حكومة الجمعية، خلال الجمهورية الثالثة، زعماء برلمانيين، حيث كانت الشخصانية أقل أهمية من اليوم، ناهيك بأنه ووفق غامبيتا (ليون غامبيتا) "ينبغي للديموقراطية أن تخشى الشخصيّات ذات الطباع المتطرفة". نلاحظ ان الأشخاص البارزين في الجمهورية الثالثة كانوا زعماء برلمانيين في الأساس ولعبوا دوراً في إرساء المؤسسات الفرنسيّة. ليست نزعة السياسيين إلى الإضاءة على حياتهم الشَخصيّة سبب كل المصائب، لأنها وعلى نحو ما إنتقام المواطن من المسافة القائمة بينه وبين السياسيين. حين نرى صورهم في المجلات في ثياب السباحة مثلاً يبدون أكثر قرباً وهم يظهرون أحيانا على نحو يجعل الجمهور يحتقرهم.

في كتابك "من أجل تاريخ مفهوميّ للسياسة" إستعَدت فكرة كانت تضمّنتها محاضرتك الإفتتاحية في "كوليج دو فرانس" وحيث تعتبر تاريخ الديموقراطية تاريخ تجربة إشكالية، لماذا؟
ان تنظيم الحياة السياسية وصوغ مفاهيم الديموقراطية يتطلبان الإضاءة وعلى نحو دائم على بعض المفاهيم التي قد تتناقض. تقوم الديموقراطية على فكرة سيادة الشعب وهو مصدر السلطات ولكن من هو الشعب؟ هناك تناقض بين المبدأ السياسي للديموقراطية الذي يقدّس الشعب على نحو ما وبين المبدأ السوسيولوجي الذي يشير إلى أن تعريف الشعب لا يقتصر على مجموعة من الخصائص الثابتة، أي النطاق والدين والطبقة الإجتماعية، وانه بات يعرّف عنه عبر خصائص فريدة كمثل التجارب ومسارات الأفراد. في الماضي تحدَّد الأفراد من خلال وضعهم الإجتماعي أما اليوم فعبرَ القصص والحالات الإجتماعية. (...) ثمة فرق إذاً بين الديموقراطية المثاليّة وبين الحاجة إلى نقارب النظام التمثيلي على نحو منطقي، وبدءا من قيمه، وليس عبر عدّه عكاز الديموقراطية فحسب. تشكّل هذه الأسئلة هدف الفلسفة السياسية أيضاً.
رلى راشد
roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard