رحيل أمير الفنون ليونارد كوهين

11 تشرين الثاني 2016 | 09:41

المصدر: "النهار"

  • رلى راشد
  • المصدر: "النهار"

رحل ليونارد كوهين الرجل الذي أخرجت كلماته إصراراً على مقاربة عطب العالم. رحل ليونارد كوهين في الثانية والثمانين وهو الكنديّ الذي اكتنفت سيرته المهنية مفارقات جمّة من الطراز الرفيع والمنطلقة من الجذور.

ها هنا روائي وشاعر وكاتب أغنية ومغن ذاع صيته وتحدر من القسط الناطق بالفرنسية في كندا لكنه اعتمد الإنكليزية لسان حاله الأدبية في حين لم ينِ يهجر المسقط البيولوجي الى سماءات أخرى.
لشدة تقديره دانتي وشكسبير والأصوات الكلاسيكية، على خلفية امتلاكها هبة الدقة وقدرتها على التقاط الهش، جنح الى عدّ نفسه شاعرا قاصرا، ليشكك في إمكان ان تصلح قصيدته لتدرج في وسط المختارات الشعرية الشرعية. كان هذا قبل أن تمرّ به مختلف الإمتيازات الأدبية، على نسق "جائزة أمير أستورياس" الآداب 2011 وقبل أن يصل زميل الحرفة عينها بوب ديلان، إلى "نوبل" الآداب في 2016.
كوهين هو أمير الفنون الذي لفّه الجمهور كما النقاد بدخان التبجيل واحتضن شهرته كنجم شعبي مكرّس، في كل مرة اعتلى مسارح العالم من اقصاه الى اقصاه.
كانت البداية على رومنطيقية جلية في جوار وليم بتلر يتس ولورد بايرون ومن خلال سيادة لذائقة فيديركو غارثيا لوركا على اختلاجاته الفطرية ليترك الإسباني بصمته في مجموعة كوهين "أزهار تقدم لهتلر" الشعرية. دنا كوهين بعدذاك من جيل "بيت" رسولا أساسيا للثقافة المضادة وامتدادا لمناخ أصوات التمرد الشعري على نسق غينسبرغ وكيرواك. بان هذا التهجين في مؤلفه "طاقة الرقّ" فطغى الشعر المضاد وضاعت الشكليّات الرومنطيقية. أما المرحلة اللاحقة فانطلقت من اكتشافه الثقافة البوذية، ولم تنتهِ عندها. جعله الإحتكاك بمفاهيم الشرق شاعرا مكتملاً، بالمعنى القدسي الإرتقائي، الى حد يهيّن مقارنة تجربته بمنجز شاعر الصوفية جلال الدين الرومي.
عن تلك التجربة المصفاة من كل عيب كتب كوهين في "حياتي في جبّة الراهب" إحدى اولى قصائد "كتاب الشوق"، عن حالة حيث كل شيء يبدو مضيئا وجافّا مثل الهايكو وعبثيا وعميقا وساخراً ايضا. نقرأ: "بدءا من لحظة معينة/ تعجز عن ادراك حاجتك الى امرأة/ او الى سيجارة/ لاحقا، في حال كان ليل/ او نهار/ تتنبه فجأة الى الساعة/ ترتدي ثيابك/ تعود الى المنزل/ تشعل سيجارة/ وتتزوج". في هذه الزاوية النصية لعبة دؤوبة بين الله والمرأة، وهما ثيمتان أساسيتان تتداخلان عنده من دون كلل.
كان كوهين رجل الأفكار المتنافرة بين افتتان وتراجع، رجل الأجيال الثلاثة التي رافقها ورافقته. كان الصوت الذي كتب في قصيدة "شارع": "كنتُ في ما مضى أحسن سكير في عُرفِك/ ذاك المناسب لإطلاق ضحكة واحدة اضافية/ نفد حظنا نحن الإثنين لاحقا/ في حين كان كل مقتنياتنا/ إرتديتُ بزة عسكرية/ وقصدت جبهة الصراع الأهلي محاربا/ حاولت الالتحاق بكِ غير ان احدهم/ لم ترقه الجهة التي حاربت في صفوفها".
وداعاً للشاعر الأنيق وشاعر التخييل العاطفي الطافق. وداعا للمتشائم الذي ترقّب هطول المطر وهو يشعر برطوبة بشرته.


roula.rached@annahar.com.lb 
Twitter: @Roula_Rached77

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard