انتخابات رئاسية مفصلية وتاريخية للولايات المتحدة والعالم

7 تشرين الثاني 2016 | 23:00

المصدر: "النهار"

يتوجه ملايين الناخبين الاميركيين الى مراكز الاقتراع لانتخاب الرئيس الخامس والاربعين للجمهورية، وانهاء أحد اطول السباقات الى البيت الابيض وأكثرها غرابة وبشاعة. وبصرف النظر عما اذا انتخب الاميركيون المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون، او منافسها الجمهوري دونالد ترامب فان النتائج ستكون تاريخية لاميركا وللعالم.
واذا انتخبت كلينتون فانها ستكون المرأة الأولى التي ترأس الولايات المتحدة، واذا انتخب ترامب فانه سيكون الرئيس الاكثر تقدما في السن (70 سنة) والاقل خبرة سياسية يصل الى البيت الابيض محمولا على موجة من الاستياء الشعبي من "المؤسسة السياسية" التقليدية الممثلة بالحزبين الجمهوري والديموقراطي التي زجت البلاد منذ بدء القرن الجاري في أطول حربين في تاريخها (افغانستان والعراق) وتسببت بأزمة اقتصادية كبيرة لا تزال مضاعفاتها تتردد حتى الان، وعمقت الاستقطابات السياسية والايديولوجية والعنصرية وعطلت التعاون بين السلطات التنفيذية والتشريعية في واشنطن.
آخر ستة استطلاعات للرأي على المستوى الوطني عشية بدء عملية الاقتراع تحبذ فوز كلينتون، حيث تتمتع فيها كلينتون بفارق في الاصوات يتراوح بين 3 و6 ضد ترامب. ولكن الفارق الضئيل بينها ووبين ترامب في بعض الولايات المحورية التي ستحسم الانتخابات مثل ولاية فلوريدا حيث نجد كلينتون متقدمة على ترامب بنقطة واحدة، وفي ولاية كارولاينا الشمالية حيث تتقدم عليه بنقطتين، يعني انه لا يزال هناك احتمال ولو ضئيل جداً لان يفاجيء ترامب اميركا والعالم كما قال مساء الاحد.
والى الصورة التي تقدمها استطلاعات الرأي، هناك مؤشرات اخرى تحبذ فوز كلينتون بينها التصويت المبكر والذي وصل عشية يوم الانتخابات الى نحو 41 مليون ناخب، حيث تظهر الاستطلاعات ونسبة المقبلين على التصويت المبكر من الاقليات، ان أكثرية منهم صوتت لكلينتون. صحيح ان ترامب يحظى بدعم حماسي وصارخ من مؤيديه، وهذا يبدو في الاعداد الكبيرة التي تشارك في مهرجاناته الانتخابية، الا ان كلينتون تتفوق على ترامب بملكيتها لحملة منظمة ميدانيا في جميع الولايات بحيث تشكل "ماكينة" انتخابية فعالة قادرة على تعبئة الناخبين وايصالهم الى مراكز الاقتراع.
حملة كلينتون تصرفت منذ البداية على ان الانتخابات هي – اضافة الى المشاعر العاطفية والالتزامات السياسية- هي علم وتنظيم ولوجستيات مثل : من لديه عدد اكبر من المتطوعين، من سيسير الاف الباصات لنقل الناخبين الى مراكز الاقتراع وتوفير الماء والغذاء لهم، وغيرها من القضايا التنظيمية واللوجستية. ترامب كان دوماً يستخف بهذه الناحية العملية في الانتخابات، واقنع نفسه بأن الحماس الشعبي سوف يترجم عمليا الى تصويت يوم الانتخابات. اخيرا، تمتعت كلينتون خلال فترة السباق الطويل بموارد مالية فاقت كثيرا الموارد التي جمعها ترامب او الحزب الجمهوري. ودخلت كلينتون آخر 10 ايام في الحملة ولديها موازنة حربية من 150 مليون دولار، مقابل موازنة ترامب التي لم تزد عن 80 مليون. هذه الموازنة تترجمها حملة كلينتون حاليا ببث دعايات تلفزيونية مكلفة في الاسواق الاعلانية المهمة وخصوصاً في الولايات التي لا تسمح بالتصويت المبكر مثل بنسلفانيا وميتشيغن. ونظرا الى اهمية هاتين الولايات تركزت نشاطات الحملتين عليهما في اليوم الماضيين، حيث قامت الرئيس باراك اوباما بنشاطات انتخابية في ميتشيغن في النهار، قبل ان يتوجه الى مدينة فيلادلفيا وهي أكبر مدينة في بنسلفانيا حيث سيشارك في المساء في أكبر مهرجان انتخابي في الولاية سوف يشارك فيه الى اوباما السيدة الاولى ميشيل، وهيلاري كلينتون وزوجها الرئيس سابقاً بيل كلينتون. وسوف يكلل هذه الامسية الانتخابية الديموقراطية احتفال كبير يشارك فيه المغني بروس سبرينغستين.
وبما ان المرشح يحتاج الى 270 صوتا في المجمع الانتخابي ( حجم كل ولاية يقرر في المجمع الانتخابي او الكلية الانتخابية وفقا لعدد ممثليها في مجلس الشيوخ، ولكل ولاية عضوين في مجلس الشيوخ بغض النظر عن عدد سكانها وعدد النواب الذي يحدده عدد السكان)، فان المعركة الانتخابية تبدأ ولدى مرشح كل حزب عدد مضمون الى حد كبير من الولايات في معسكره. ووفقا للخريطة الانتخابية التي تعتبر واقعية نجد ان لدى كلينتون 252 ممن يسمون كبار الناخبين في المجمع الانتخابي، مقابل 163 لترامب، مما يعني ان الصراع سوف يتمحور حول الولايات التي تمثل 123 صوتا في المجمع الانتخابي. ولهذه الاسباب يتمحور انفاق الاموال والنشاطات الانتخابية في بعض الولايات "المتأرجحة" وغير المضمونة سلفاً، مثل فلوريدا وكارولاينا الشمالية وكولورادو واوهايو ونيوهامبشير. هذه الخريطة تظهر ان لدى كلينتون أكثر من طريق يوصلها الى البيت الابيض، بينما لا يملك ترامب طريقا واضحا، وعليه ان يفوز بجميع الولايات التي فاز بها المرشح الجمهوري مت رومني في 2012 وان يزيد عليها ولايات مهمة مثل اوهايو وبنسلفانيا كي يصل الى البيت الابيض.
وبما ان الانتخابات سوف تحسم ايضا من سيسيطر على مجلسي الكونغرس ( جميع اعضاء مجلس النواب ينتخبون كل سنتين، بينما ينتخب ثلث اعضاء مجلس الشيوخ كل سنتين) فان قدرة الرئيس المقبل على الحكم سوف تتأثر جدا بوجود كونغرس موال او معارض او منقسم. واذا حافظ الجمهوريون على سيطرتهم على المجلسين، وخسروا الرئاسة فإنه يعني ان كلينتون سوف تواجه كونغرساً ليس معارضا بالمعنى التقليدي بل مناوئاً وحتى عدائياً، مع ما يحمله ذلك من مشاكل داخلية بالنسبة لقدرتها على تطبيق او اقرار أي مشاريع داخلية (اقتصادية ومالية واجتماعية) او اتخاذ أي قرارات خارجية صعبة او مثيرة للجدل. عداء شريحة كبيرة من الجمهوريين لكلينتون في الكونغرس دفع ببعضهم للتهديد حتى قبل الانتخابات انهم سيفتحون مختلف التحقيقات ضدها اذا فازت بالرئاسة واذا حافظوا على سيطرتهم على مجلسي الكونغرس.
وفي حال انتخاب ترامب، فانه سيجد نفسه ليس فقط في مواجهة الديموقراطيين في الكونغرس، ولكن ايضا عدد من الاعضاء الجمهوريين الذين إما انتقدوه بشدة خلال الحملة الانتخابية، او الذين رفضوا التصويت له. انها فعلاً انتخابات مفصلية وتاريخية لاميركا وللعالم.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard