كيف يكافح "الأزهر" التطرف وماذا يقول المدافعون عن دعوة الامام عبد الوهاب؟

6 تشرين الثاني 2016 | 23:20

المصدر: "النهار"

التحديات التي تواجه الحفاظ على التنوع في المنطقة العربية كثيرة، لاسيما في زمن صعود صراع الهويات "القاتلة" والتطرف الفكري.

التركيز على أهمية مواجهة أزمة الخطاب الديني وتنقيح المناهج التعليمية من الغلو الفكري واستعراض استراتيجيات فعالة في مكافحة التطرف، بدا جلياً في خلاصات شفهية أعقبت يومين من النقاشات و"العصف الفكري" شهدها مؤتمر "حوار التنوع الديني: التعددية والتسامح والتماسك الاجتماعي في المنطقة العربية"، الذي نظمه "برنامج الأمم المتحدة الانمائي" بالتعاون مع مركز "الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الديانات" في العاصمة الأردنية يومي 1و2 من الشهر الجاري.
وفي حين كانت أصوات تعارض مفهوم تعميم نمطيات تعزز واقع الاختلاف، كالمطالبة (على سبيل المثال) دائماً بالتسامح مع الآخر المسيحي وكأن هناك جميلاً في القبول به في المنطقة التي يعتبر جزءاً من نسيجها وتاريخها، ذهبت أصوات أخرى الى المطالبة بتحديد أدق للاشكاليات، والكف عن الحديث عن أزمة خطاب ديني بشكل عمومي، في ظل وجود خطابات دينية وسيطرة المؤسسة السياسية على المؤسسة الدينية، ما يجعل من التوجه الى العلماء من دون السياسيين مضيَعة للوقت. لكن هذا الرأي لم يحلْ دون اقتناع عدد كبير من المشاركين أكانوا من رجال الدين او أكاديميين بضرورة وجود أطر بحثية اسلامية تنكب على دراسة أزمات الخطاب الديني والتفسيرات المختلفة للنصوص الدينية التي يستغلها المتطرفون للتجهيل.
في المؤتمر الذي شكّل فرصة لفهم الحراك الداخلي الذي تشهده دول عدة في المنطقة لمكافحة التطرف، استطلعت "النهار" ثلاث رؤى مصرية وسعودية ومغربية، في محاولة نقل مشهد عن هذا الحراك:

(السيّدة فرح شقير، المتخصصة في التماسك الاجتماعي ومنسقة المشروع، في برنامج الامم المتحدة الانمائي، تقدم لبدء المؤتمر)

 

الأزهر: لا تجديد منذ قرنين

الدكتور محمد عبد الفضيل عبد الرحيم، منسق مرصد "الأزهر"، رأى ان "المشكلة تكمن في عملية جمود وتراجع شهدها العالم العربي والاسلامي على مستويات علمية عدة، شملت علوم الفلك والفيزياء والعلوم الفقهية أيضاَ. فلا تجديد منذ قرنين في العالم العربي على صعيد الشريعة والقوانين الوضعية، وعلوم المنطق والعلم الحاكم الذي يلعب دوراً في أصول الفكر".
وفي رأيه، انه "حين تتجمد هذه العلوم ويتطور الواقع، تتسع الفجوة فيحدث انفجار، وهذا ما حصل من خلال جماعات متطرفة بدأت من آخر نقطة توقف فيها التجديد، فاعتمدت القراءة النظرية للنصوص، وأغلبها من مذهب أهل الحديث".
وتحدث عبد الرحيم لـ"النهار" عن استراتيجة "الأزهر" القائمة لمكافحة التطرف، "لدينا خطة لتنقيح التراث والمناهج وتجديد الخطاب الديني، فلا منهج يتحدث اليوم عن أهل الذمة أو عن جزية أو عن مفاهيم مضى عليها الزمن".
ويضيف ان "اللجنة التي تقوم بهذا العمل انتهت من تنقيح المناهج، وتلقت النقد والمقترحات وتعمل عليها الآن، وبدورها تقوم جامعة الأزهر بتنقيح المناهج التعليمية التي يدرسها طلاب الفقه. وكذلك ألّفت هيئة كبار العلماء بعض الكتب التي تصحح فيها مفاهيم كالجهاد والحاكمية والمواطنة والعدل والخلافة ...".
ويرى عبد الرحيم ان "الأزمة ليست في قراءة جماعات متطرفة النصوص الدينية الموجودة بل انها لا تأخذ في التجديد والتنقيح. كما ان للأزمة جوانب اخرى فكرية وسياسية وعسكرية".
ويشير الى "معوقات أمام ايصال الفكر المنقح والتفاسير العصرية التي تواجه التطرف الى قاعدة الشباب، والى ان الأزهر في بحث دائم عن السبل الملائمة إن كان عن طريق "تجديد الخطاب الديني المنبري، او الانترنت...".
وحول إشكالية طرحها البعض عن تغلغل الفكر النقلي او المتعصب في صفوف مشايخ مؤسسة الأزهر، لفت عبد الرحيم الى انه "كان واضحاً وجلياً في عصر الاخوان، وجود محاولة لخلق مسار موازٍ للأزهر، وحين طرح السؤال على شيخ الأزهر حول استمرار وجود اختراق اخواني أو سلفي، أجاب الشيخ انه لا يستبعد وجود اشخاص يملكون هذا الفكر في المؤسسة التي تجمع نحو 2 مليون انسان تحت جناحيها، فمن الصعب التفتيش في عقول الجميع، لكن المهم ألا تمارس جهة ما المغالاة وتؤثر في الأزهر".

 

دعوة الامام محمد عبد الوهاب
الأستاذ في جامعة الإمام محمد بن سعود الدكتور أحمد بن سيف الدين تركستاني، رأى في حديثه مع "النهار" ان "مشكلة الفكر المتطرف عالمية لا تخص بلداً بعينه، وأعلى ارقام للمتطرفين ظهرت في بلد كتونس، وكذلك في دول اوروبية. فالظاهرة خاضعة لتأثيرات ظروف عديدة، البعض يعيدها الى بلد ومذهب بعينه، وهذا ليس بصحيح".
وفي رأيه ان "ما تتهم به دعوة الامام محمد بن عبد الوهاب ظالم، فنحن رأينا انه لم يحصل شيء من العنف والقتل مما نشهده اليوم خلال٢٥٠ سنة خلت منذ ان نشأت هذه الدعوة. ورأينا ظاهرة التطرف تتمدد بعد غزو افغانستان وتشجيع الولايات المتحدة الشباب المسلم على الانخراط فيما سمي الجهاد لقتال الاتحاد السوفياتي".
ويجد ان "هناك دولاً كبرى واجهزة استخبارات عالمية غذت التطرف فوصلنا الى نتائج كارثية". وفي تشخيصه لتمدد الفكر المتطرف، يشير الى "أعمال توسعية على المستوى الاقليمي والعالمي وتغذية للإرهاب لتبرير هذه الأعمال وبالطبع وجود ردود افعال عليها، وهنا أخصّ بالذكر المشروع الايراني الطائفي التوسعي الذي غذى الإرهاب".

ويقول ان "دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كانت دعوة اصلاحية اجتمعت عليها القبائل في ذلك الوقت، والتف الناس حولها. فالامام جاء لتخليص الدين مما لحق به من بدع، وسعد الناس بالعودة الى اصول الدين".
ويضيف ان "المتطرفين يقولون ان الامام ملهم لهم وكذلك بالنسبة للامام ابن تيمية، لكنهم يتجاهلون تحريف القرآن ولي النصوص القرآنية والأحاديث النبوية لخدمة المتطرفين حيث يفسر الغلاة هذه النصوص بما يتفق مع أهدافهم. والملهم الحقيقي في ظني هي الحركات التي حملت السلاح على الحكام في التاريخ الاسلامي كالخوارج والحشاشين... وكثيرون في العالم الاسلامي وخارجه يحترمون فكر الامام عبد الوهاب ودعوته الإصلاحية لكنهم لا يقدسونه فهو بشر وقوله قابل للصواب والخطأ، والذي يطلع على أشهر كتاب للشيخ وهو كتاب "التوحيد" سيرى انه يعتمد على ايات واحاديث فقط".
ويتحدث عن السبل المعتمدة في المملكة لمواجهة الفكر المتطرف، مشيراً الى " بث الوعي بحقيقة المتطرفين وتبرئة الاسلام من الغلو، ودراسة الشبهات التي يستندون اليها، وهناك كتاب ضخم اسمه "النذير" اعدّه مختصون من خلال عملهم في الحوار والمناصحة لمن يتعاطف مع الفكر المتطرف ونشرته وزارة الشؤون الإسلامية. كذلك لدينا "حملة السكينة" التي يقوم عليها دعاة متخصصون وعلماء نفس واجتماع عبر الإنترنت لمحاورة المتطرفين. ولدينا جمعية وطنية لحقوق الانسان، وهيئة لحقوق الانسان، كما من المهم الإشارة إلى مركز المناصحة، فبعد ان يحكم على المتطرف، و يقضي مدة حكمه في السجن، يجرى معه حوار من متخصصين في المركز...".
وينوّه بأن "التطرف موجود ليس فقط بين اتباع السنة، بل أيضاً عند اتباع المذهب الشيعي وغيرهم، ففي القطيف وهي منطقة اغلبية شيعية يغتال رجال امن ويعثر على مخابىء اسلحة. اذاً نحن امام تطرف من جهات عدة ونحرص على المواجهة الحكيمة على قاعدة "ولا تزر وازرة وزر اخرى".

 

مواجهة الفراغ والجمود

مغربياً، يقول محمد بلكبير، رئيس مركز الدراسات والأبحاث في القيم، الرابطة المحمدية للعلماء، "ألا دراسات دقيقة تبيّن مشكلة الخطاب الديني بشكل دقيق، نظراً لتعدد المتدخلين في الخطاب الديني".

ويشير في حديثه مع "النهار" الى "وجود تيارات سلفية سياسية في المغرب لكنها ليست متجذرة في النسيج، فما يؤطر الخطاب الديني والنشاط العلمائي موصول بالقنوات التي تشرف عليها الدولة، بحيث لا وجود لمساجد خارجة عن سلطتها، والائمة مراقبون ومؤطرون، وتشكل العقيدة الاشعرية والمذهب المالكي والتصوف السني القاعدة الثلاثية الاساسية للنشاط الديني في المغرب".
وفي رأي بلكبير ان "منشأ الفتنة في العالم الاسلامي يعود الى تأويلات المذاهب، والى تجاوز البعض قاعدة المحكم والمتشابه في الآيات القرآنية، ما يوّلد حاجة الى الحوار بين أتباع المذاهب". 

ويشرح ان "الآيات القرآنية المحكمة لا تقبل التأويل بخلاف المتشابه حيث يجوز للراسخين في العلم وأصحاب القدرات في اللغة العربية تفسيرها"، وفي رأيه ان "الآيات التي استند اليها داعش استلت من اصلها وسياقها...".

ويجد "اننا حين نصل الى دولة متوافقة مع المؤسسة الدينية، ثمة حاجة الى عمل على صعيد النصوص، فمسار الحفظ والنقل جمّد الامة، ونرى اليوم تركيزاً على آيات الأحكام التي ركزت بعض الفرق عليها وأهملت باقي الآيات، وهي بذلك فتحت مجالاً لمتدخلين فتأدلج الفكر ودخلت السياسة وداعش وغيرها، والسبب الأساسي يعود الى ان المشتغلين بتفسير القرآن تركوا فراغاً حين تركوا الاجتهاد".
وفي المحصلة، يشدد بلكبير على ضرورة ان تقوم مؤسسات دينية ومجمعات بحوث علمية في العالم العربي والاسلامي بالعمل على انهاء الفراغ والجمود العلمي.

 (خلال احدى جلسات مؤتمر "حوار التنوع") 

ميسي وفابريغاس وجوزيف عطية والمئات يوجهون رسالة إلى هذا الطفل اللبناني



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard