من أجل أن يفتديَ سجنُ فاطمة نساء أخريات

5 تشرين الثاني 2016 | 22:00

المصدر: "النهار"

حين تحوّلت قضية سجن فاطمة حمزة ملفاً شغلَ الرأي العام وحصد ادانات بيّنة في حق سجانيها، كان أغلب الظن ان الأمر سيحول دون مبيتها ليلة أخرى في عتمة السجن.

لكن يا للعار! بقيت فاطمة وراء القضبان في نظارة مخفر الغبيري بعد رفضها الامتثال لتنفيذ قرار قاضي المحكمة الجعفرية جعفر كوثراني الآمر بمنح حضانة ابنها الذي لم يبلغ الثلاث سنوات بعد الى والده الذي ينعم الآن بحياة زوجية مع سيدة أخرى وبأبوة طفل يبلغ نحو ستة أشهر، من زواجه الثاني.

تمردت فاطمة على قهر امرأة يراد ان ينتزع منها كل شيء، ابنها، بعد ان خسرت الرهان على حياة زوجية مستقرة.
أخفت ابنها في "مكان آمن" ومدّت معصماها لحامل الأصفاد، مشهرة تحدي قرار قاضٍ أغلق باب اجتهادٍ يعلي من شأنه المرجع السيستاني الذي تتبع أحكامه المحكمة الجعفرية، كما يقول العارفون.

والاجتهاد في الحال هو ان يدرس الملف وحيثياته ومستويات المظلومية والعدالة فيه، وان يحاول القاضي ما استطاع انتاج تسوية تقترب من العدل، والأمر في صميم وظيفته.

والمفارقة في قضية فاطمة، ان الباب الأقصر لكي يتيح القاضي الجعفري مزيداً من الاجتهاد في حكمه كان في  نظره بحقيقة ان الطلاق لم يقع بين الزوجين.

 

التواصل مع المرجعية
لم تستطع الناشطات اللبنانيات المنتميات الى الطائفة الشيعية من التواصل المؤثر مع دائرة المرجعية في العراق، كما نصحهم القائمون على المحكمة الجعفرية في لبنان في معرض مطالبتهم تعديل سن الحضانة.
ومعروف ان فتوى المرجع السيستاني تقول بأن حضانة الطفل بالنسبة للأم تكون حتى عمر السنتين للذكر، والسبع سنوات للأنثى، من دون ان ينزع المرجع مفهوم التسامح خلال التشريع في كل قضية وملف، وفق ما يردد عارفون.
ومع ان كثيرين من الشيعة اللبنانيين يتبعون مرجعيتي السيد الراحل محمد حسين فضل الله والسيد علي خامنئي، واللتين رفعتا سن الحضانة لصالح الأم، الا ان المجلس الشيعي يسير وفق مرجعية السيستاني بطبيعة الحال، ويطبق أحكامها.

"فاطمات"
في الاعتصام الذي نظم عصر اليوم بالقرب من المجلس الشيعي وارتفعت فيه أصوات المحتجات والمحتجين من دون ان تبلغ آذان المعنيين، وقفت "فاطمات" يتحدثن عن تجارب مماثلة.
طغى مشهد الغضب في الاعتصام الذي طالب بالعدل واستصرخ القائمين على "طائفة الاجتهاد" ان يعدلوا عن تشريع يتيح سلخ طفل في عمر السنتين عن أمه في حال الافتراق عن الزوج.
في الاعتصام عينه، وقفت سيّدة تحدثنا عن سجنها للسبب عينه. مهلاً، تلك حالة لم يكتب للأضواء ان تسلط عليها ولم تتمكن الأم المظلومة فيها من استخدام الضغط الاعلامي لاجتراح تسوية مع الطرف الثاني، كما من الممكن ان يحصل مع فاطمة. فكم من سيدة زجّ بها في السجن فقط لأنها أم، وكم من أم خافت من السجن فرضخت للأحكام المجحفة.

فرج قريب؟
يخبرنا شقيق فاطمة حمزة ان التحرك الاعلامي بدا مفيداً لوهلة لكنه حتى الآن لم يترجم، "ثمة شخصية نافذة في الطائفة سمعنا انها دخلت على خط الملف وأمرت بانهائه واجتراح حل تسووي بين الطرفين. تدخلٌ ربما يسفر عن الافراج عن فاطمة يوم الاثنين، لكن لا شيء مؤكداً حتى الآن".
لا شيء مؤكداً اذاً سوى بقاء فاطمة في سجنها ليلة أخرى، فالزمان هو عطلة نهاية أسبوع، وفيه يميل المعنيون الى تجميد الملفات. وبطبيعة الحال، لا شيء يضغط على المعنيين لاتخاذ اجراءات الافراج عنها فوراً والتوقف عن معاملتها كمجرمة لا كامرأة تدافع عن أمومتها. فليس وراء فاطمة أحزاب او نافذون او من يتحرك فوراً لانهاء المهزلة.
لم يُسمع لوزير عدلٍ في حكومة تصريف أعمال موقف، بامكانه ان يفعل، ألن يبدو الأمر تقدمياً ان ينظر الى الملف ببعد انساني لا كملف يخص اشكالية احوال شخصية في طائفة.
وماذا عن العهد الجديد بما يمثله من سلطة واعدة، هل هناك أنبل من مساندة قضية محقة وامراءة مظلومة. فليكن موقفاً معنوياً على الأقل من رئيس جمهوريتنا الجديد ميشال عون على سبيل المثال يناصر في لحظة سجن فاطمة حقوق النساء ويعد بالعمل على انتاج قانون أحوال شخصية عادل. ألا يحق لنا ان نحلم ونعوّل على الكثير في بداية العهد.

معركتان
لا يجب ان تمرّ الساعات التي ارتضت فاطمة ان تمضيها في السجن من أجل قضية حضانة ابنها مرور الكرام، فتخرج فاطمة وينتج حل رضائي بين الطرفين بفعل الضغط الاعلامي، ويمارس ظلم آخر على فاطمة أخرى في اليوم التالي.
لا بد للمعركة ان تشرع على مستويين، الأول ممارسة الضغط انطلاقاً من قضية فاطمة لحث المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى على القبول بتعديل سن الحضانة، علماً ان شيوخاً فيه ابدوا امتعاضهم العلني من سجن فاطمة.
اما المستوى الأهم فيكمن في تفعيل العمل على أوسع قاعدة اجتماعية لاطلاق حملة المطالبة باقرار قانون أحوال شخصية مدني اختياري، تزامناً مع العهد الجديد الذي ينثر الكثير من الوعود. فليكن الاختبار.

diana.skaini@annahar.com.lb
@Dianaskaini

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard