رئيس جامعة الزيتونة التونسية هشام قريسة لـ"النهار": علماء الخارج وراء التطرف...وهكذا نحارب "داعش"

4 تشرين الثاني 2016 | 23:02

المصدر: "النهار"

لا يمكن فهم ظاهرة تغلغل الفكر المتطرف في بيئات تونسية من دون المرور بحقبات تاريخية شهد خلالها التعليم الديني الرسمي تدخلات أسفرت عن نتائج سلبية. هكذا يستهل رئيس جامعة الزيتونة العريقة هشام قريسة حديثه مع "النهار" في معرض إجابته عن سؤال حول الأعداد الكبيرة من الشباب التونسي المنضم الى "داعش" وتمدد المذهب النقلي في النسيج الاسلامي التونسي المعروف تاريخياً باعتناقه المذهب المالكي الوسطي.

التقيْنا قريسة على هامش مشاركته في مؤتمر "حوار التنوع الديني: التعددية والتسامح والتماسك الاجتماعي في المنطقة العربية"، الذي نظمه "برنامج الأمم المتحدة الانمائي" بالتعاون مع مركز "الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الديانات" في العاصمة الأردنية يومي 1و2 من الشهر الجاري.
يتحدث قريسة بتأثرٍ كبيرٍ عن التعليم الزيتوني، "#تونس هبة الزيتونة"، واعتماده على تكوين شخصية متنوعة لدى الطالب، بتركيزه على الشعر والأدب ومواد جمالية، الى جانب الدين.
وفي رؤيته ان الفكر "الداعشي" ظهر بعد الثورة في لحظة أتاحت حرية التعبير عن الرأي، وأعقبت حقبة من الكبت السياسي في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي الذي اعتمد سياسة ضرب المؤسسة الدينية، الأمر الذي دفع كثيرين من طالبي العلم الديني الى مغادرة البلاد للدراسة.

 

تاريخ لم يتِح... الفراغ

يذكر قريسة انه في الستينات، بلغ عدد طلاب السنة الأولى في الكلية نحو ألف طالب، وبرزت فرصة لولادة جيل من المدرسين المؤثرين المعتدلين حين كان التكوين الديني متصلاً حصراً بالكلية الزيتونية التي أسست في بداية القرن الثاني واستمرت من دون انقطاع. وبطبيعة الحال، يتكىء السند العلمي في هذه الكلية التي كانت أول مركز ديني درّس الفقه المقارن، الى مدرسة المدينة ومنهج الامام مالك ابن أنس.
وبرز أيضاً من بين علمائها من تبِع المذهب الحنفي، وخرّجت الكلية شعراء معروفين، منهم بيرم التونسي، فـ"الصفة المميّزة للزيتونة انها مدرسة أدبية بالاضافة الى كونها دينية، ومن لا ينجح في فنون الأدب والبلاغة لا يحصل على الشهادة".

في أرشيف الكلية اليوم، "ملفات 130 ألف طالب تخرجوا عبر العقود وانتشروا في القرى والمدن، وكثيرون منهم لم يكونوا مربّين فقط، بل مصلحين وأصحاب حضور اجتماعي وثقافي وسياسي". ويضرب مثالاً ان اول رئيس لاتحاد الشغل كان خريجاً من الزيتونة، وكذلك أول قائد للحزب الدستوري في عام 1920.
وفي رأي قريسة، ان هذا الحضور القوي للزيتونيين لم يتح مجالاً للفراغ في الساحة الدينية. ودائماً في سرده للمسار التاريخي، انه ومع حكومات بعد الاستقلال، "نشأت علمانية معادية للدين الذي عُرف بوسطتيه ولم يكن فيه تطرف. ومثالاً، كانت بنات وزوجات مشايخ في الزيتونة سافرات... لم يكن هناك تركيز على الجوانب الشكلية. والأمر سابق على عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي اعتقد ان التديّن عائق أمام تقدم المجتمع، فعارض كثيراً من الرؤى الدينية، ووقع تغييرٌ في كثير من الاجتهادات القانونية". إلا ان المشكلة كما يراها رئيس الجامعة الحالي لم تكن في التعديلات، "بل في التضييق على نشاط الزيتونة، ما سمح للراغبين في التعليم الديني بأن يخرجوا، فذهبوا الى أماكن كاليمن والسودان والسعودية وغيرها...".


ويستشهد بأن عدد الطلاب في السنة الجامعية الأولى عام 1985 بلغ مئة طالب، وقد أصبحوا 50 طالباً فقط بين عامي 2001 و2007.
كما تعرضَ المستوى العلمي لخللٍ كبيرٍ بحيث ان "أصحاب المعدّلات الصغيرة الذين لم ينجحوا في دخول اختصاصات معيّنة، كانت السياسات التعليمية الحكومية تدفع بهم الى الزيتونة".

 

جيل الخارج
في المحصلة، نشَأ جيلٌ من العلماء الذين درسوا في الخارج قبل أن يعودوا الى تونس، وأصبحَ عددُ الذين غادروا للدراسة أكثر من الطلاب الذين بقوا، ما أنتج طالباً ضعيف التكوين الشرعي في الداخل، وفي المقابل كان تكوين أغلب الذين جاؤوا من الخارج سلفياً وحرفياً فبدأوا يؤثرون في الشباب، وبدا علماء الداخل الشباب ضعفاء أمامهم ولم يتمكنوا من التصدي أو الرد على الاشكاليات التي طرحها هؤلاء الآتون من الخارج وأكثرهم من المدرسة السلفية الوهابية، وأبرزها التشكيك في المدرسة الزيتونية وانها ليست على السُنّة وفيها اجتهادات مخالفة للقرآن والشريعة".

ويقول قريسة ان "المدرسة المالكية التي تعود الى المدينة المنورة، وتقوم على اعتبار المصالح، أي انها مقاصدية، تذهب الى المعنى، بعكس التفسير الحرفي الذي يعتمده الذين جاؤوا من الخارج وسيطروا على جملة من المساجد".
ويذكر ان "أبرز من تصدّى لهم كانوا علماء من كبار السن من مشايخ الزيتونة، كما ان المجتمع المدني ردّ على هذه الظواهر ووقفَ في وجهها وبدأ يخرجهم من دوائر النشاط المسجدي. وهنا بدأت المكانة تعود الى العلماء الزيتونيين". ويضيف: "الآن نملك برنامجاً دسماً للتكوين الشرعي، حيث مكنّا الذين لم يواصلوا تعليمهم بسبب الطرد والنفي ان يعودوا الى الدراسة، ووجدنا رسائل دكتوراه تعود الى 20 عاماً لم تناقش فتواصلنا مع أصحابها، وفتحنا مدارس خاصة شرعية وأرسلنا أئمة من الزيتونة للتدريس فيها للتصدي لأفكار التكفير التي جاء بها من درس في الخارج".

ويرصد قريسة اليوم ما يسميه "نوعاً من الاستقرار في النشاط الديني والمراقبة، وتعاوناً بيّناً بين المجتمع المدني والمؤسسة الدينية والدولة في هذا السياق". كما ان الكلية التي يبلغ عدد الطلاب حالياً فيها 2800 طالب، فتحت أبوابها على الجزائر وليبيا ضمن استراتيجية دينية لمكافحة التطرف.

 

أزمة تفسير النصوص: حساسية حالية

من جملة الاشكاليات التي توافق عليها الخبراء والمختصون الذين حضروا مؤتمر "#حوار_التنوع" في عمان، وجود أزمة تفسير نصوص دينية في العالم الاسلامي تقف وراء فشل التصدي للفكر المتطرف.
قريسة ممن يؤكدون وجود أزمة وحساسية عالية في ملامسة هذا الملف.
وفي آلية المعالجة، لا يرى سبيلاً سوى التركيز على مناهج التعليم، وتطوير امكانات المؤسسات التربوية الاسلامية التي تدعم التديّن الوسطي، مستشهداً بأن قادة متطرفين لم يدرسوا في مدارس وسطية او ان "دواعش" أوروبا لم يذهبوا الى مدارس دينية بل تلقوا التلقين على يد دعاة متطرفين.

ويركز على "مسألة التفسير النقلي للآيات مما يخرجها من سياقها، لاسيما آيات القتال التي يستند المتطرفون الى تفسيرهم لها، مهملين آيات تليها او في سور أخرى".
وفي رأيه، "هناك مسار تجهيلي في بعض المناهج، ومثالاً ان آية تدفيع الجزية للمسيحيين تفسّر بشكل خاطىء، والصحيح جعلها مساوية لواجب دفع المسلم الزكاة ذات المفهوم الديني الضريبي".
كذلك، فـ"ان كل ما يتصل بأي تشريع وقانون لا يجب ان يطبق الا بموجب قبول الناس به، وليس مجال الحياة الآن متاحاً لفرض هذه الأمور التي يجب ان تفهم على انها واردة في معنى الزجر اي التخويف من الجريمة، لأن اقامة الحدود كمثال لم تقع عن طريق البيّنات والشهادات والشروط الموضوعة في العقاب. وهناك اكثر من 11 شرطاً ليصح تطبيق عقوبة قطع يد السارق على سبيل المثال، ما يجعل من هذه العقوبة زجرية أكثر منها عقابية".


ويجد قريسة ان "إعادة النظر في تفسير بعض الايات ليس مجالها اليوم، لأنها غير مطبقة، ومن الخطأ تطبيقها الحرفي لأن الأمر يصبح بمثابة الهرم المقلوب فحين نزلت في القرآن الكريم كان أوانها بعد البناء الاجتماعي، واليوم نجد ان المجتمع العادل لم يبنَ بعد في بعض الأمكنة التي تطبقها ولم تضرب ظاهرة الجوع والحاجة على سبيل المثال، لكنهم انطلقوا الى العقوبات قبل اقامة العدل الحقيقي والتكافل الاجتماعي".
لا يرى الشيخ التونسي فائدة من تكفير "#داعش" لأن "الأمر سينشر ظاهرة التكفير ولا يبيحه نصٌ بيّن، كما انه لن ينال من التنظيم"، لكنه يدعو الى قتاله ومحاربة أسسه الفكرية عبر سبل عدة، أبرزها دعم التعليم الديني الوسطي.

 

diana.skaini@annahar.com.lb

@Dianaskaini

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard