كفرشيما تتكلم: "بدنا مليون سنة " ليأتي بعظمتك يا "ابو مجد"!

28 تشرين الأول 2016 | 23:31

المصدر: "النهار"

منزل الموسيقار في كفرشيما

"يا حبّي اللي غاب من عمري انا"... هكذا اذاً غاب عنا عملاق من الزمن الجميل. رحل حبيب لبنان، أبو مجد. موسيقارنا غادر الى "دنيا الحق" تاركاً إرثاً فنياً لا يقدر. ذهب حاملاً معه جعبة كبيرة من محبة الناس لشخصه ولـ"هضامته" و"خفة ظلّه" و"جنونه اللذيذ" وفنه العظيم. موسيقار كتب ولحن وغنّى أجمل ما يردده اللبنانيون، "بدنا مليون سنة " ليأتي بعظمتك يا ابو مجد!

في الثالثة من بعد ظهر 28 تشرين الأول، حلّق الموسيقار عالياً في انتظار يوم الوداع الأحد المقبل. في هذا اليوم لبنان وبلدته كفرشيما سيشهدان وداعاً مهيباً يليق بمقامه فترتاح روحه نهائيا مستريحاً في دنيا الخلود.
صوت ملحم بركات ملأ أرجاء كفرشيما
الى كفرشيما توجهت "النهار". طريق مزرعته فارغة وكأنها تنتظر موسيقارها أن يملأها بحيويته وصوته . النسمات الباردة في وسط البلدة كانت حزينة وفخورة بأنها تحمل نغمات صوت عملاق، فأغاني "أبو مجد" ملأت أجواء هذه البلدة.
مقابل كنيسة الوردية الجديدة، القريبة من ساحة كفرشيما، سلالم توصلك إلى حي قديم حيث يعلو منزل بنوافذه الحمراء. هناك ولد ملحم بركات في العام 1945، ونال وشقيقتيه تربية منزلية مثالية، وفي هذا المنزل أيضاً عاش حياته قبل دخوله عالم الفن وبعده. السكون يلف الحي، وحدها أصوات المارة تخرق صوت حزن الفراق على ابنه.
انطلاقته الفنية كانت خلال عرض مسرحية "جنفياف" في أحد المنازل المهجورة في بلدته، حيث أدى احدى أغنيات محمد عبد الوهاب. وكان حليم الرومي، والد الفنانة ماجدة الرومي، حاضراً آنذاك، وفق ما روى أحد أبناء البلدة الذي تحدث إلينا مطولاً. ويقول ان "ملحم يشبه إلى حد كبير والده في الشكل والطباع وورث عنه صوته الرائع"، وقال: "حتى صوت أبيه أقوى من صوت أبو مجد، وذلك باعترافه". ويضيف محدثنا الذي جمعته ب"أبو مجد" جلسات كثيرة، ان ملحم ورث عن والدته طيبة قلبها وحنانها ونظافتها، "ملحم مسرسب كثير بالنظافة".
في ما لا شك فيه أن ابناء بلدة كفرشيما سيفتقدون الموسيقار، "ضيعانو راح... أعطى الكثير لكفرشيما"، قال أحد أبناء البلدة الذي لم يعرفه معرفة قريبة، الا أنه قال في حديث مع "النهار" أن "ما وهبه الله لملحم بركات لم يهبه لأحد، فاضافة الى صوته، هو انسان بسيط وخلاق وطيب القلب... "ضيعانه".
أحد المقرّبين من ابنه مجد عبّر عن الأسف لرحيل ملحم بركات بكلمة "ضيعانو"، لافتاً الى أن ابنه مجد ورث منه شكله الخارجي وطباعه وحتى طيبة قلبه وعفويته الجميلة.
يجمع كل من تحدثنا اليه أن أبو مجد أعطى الكثير لهذه البلدة العزيزة، "اعطاها الشهرة"، قال أحدهم، أما آخرون فأشادوا بكرمه في حق كثيرين من أبناء البلدة بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال حفلاته.
يصفه أحد المقرّبين منه بـ"الطفل"، ويقول في حديث مع "النهار": "يتشاجر المرء مع أبو مجد وبعد لحظات يتصالحان". يتحدث عن تعلقه بالأرض، لافتاً إلى أنه يعشق ان يمضي أيامه في مزرعته في كفرشيما حيث كان يزرع، ويروي الأرض ويتعامل مع ثمارها. يهوى الصيد، فوفق هذا الشاب الذي رفض الإفصاح عن اسمه، "اشترى أراض شاسعة في منطقة البقاع فقط ليمارس هواية الصيد على راحته ومن دون أي ازعاج".
غنى بركات "مش عارف اذا رح يبقى معنا"، وهو لم يعلم انه سيغادرنا بهذه السرعة، لكنه كان على دراية أنه سيرحل يوما ما كالجميع، ففضل ان يقوم بواجبه تجاه كل شخص عرفه، وفق الشخص عينه: "صاحب واجبات".
يشير هذا الشاب الذي يعرف الموسيقار عن قرب انه "تلميذ فيليمون وهبي"، في ما يتعلق بطيبة قلبه وطريقة تعامله مع الناس، مؤكدا "هيك ناس ما بتروح.. فلم يبق أحد بقيمته الفنية ".
أما على الصعيد الشخصي، يعشق أبو مجد البساطة، يحب الفلافل والحمص بالطحينة، اما أكلته المفضلة فهي السمك. نظرته الى حياة اختلفت عن كل المحيطين به، وهذا ما ميّزت في محيطه، فبرز عملاقاً فنياً لبنانياً.
"تلميذ فيليمون" كان يعشق البساطة في حياته وفي أعماله، يقول : "كان يستطيع أن يلحن بكأس وعلى الطاولة"، لافتاً إلى أن أبو مجد لحن "يا حب اللي غاب من عمري انا" بشكل سريع جداً.
يكشف أحد ابناء كفرشيما انهم كانوا يخططون لمهرجانات السنة المقبلة، "كنا سنفاتحه بالموضوع... لكن الموت سبقنا". الأكيد أن الموت حق ولكنك رحلت باكراً.
ويبقى اننا من "محطة لمحطة"، سنتذكرك أبو مجد بأغتيات خالدة وأعمال فنية رسخت في الوجدان إلى الأبد.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard