أميركيٌ في بريطانيا

26 تشرين الأول 2016 | 20:32

المصدر: "النهار"

  • رلى راشد
  • المصدر: "النهار"

يُسَجّل بول بيتي سابقة في وسط الحاصلين على جائزة "مان بوكر" الأدبيّة البريطانية على خلفية جنسيته الأميركية، ذلك ان التكريم الذي ظلّ محصوراً بالأقلام الآتية من بريطانيا وإيرلندا وبلدان "كومنولث" الأخرى بات يستوعب ومنذ 2014، الأصوات المعاصرة الناطقة بالإنكليزية، كافة، فلم تعد "بلاد العام سام" نائية عن الإمتياز البريطاني المنشأ والتأثير على السواء.

حين قرّرت لجنة تحكيمها أن تتذكّر الولايات المتحدة الأميركية إنتقت نصاً لصيقاً بهواجسها المحليّة والراهنة. إختارت رواية "الخائن" المُنسكبة في زيّ المحاكاة الساخرة بغية طرح إشكالية العنصريّة المتورّمة والتي لا تزال تنزّ ألماً في الناحية الأميركية.
سردُ بيتي في منتهى السخرية وفي ذروة الوجع، يغامر بالإستفزاز الثقافي وبالصعوبة السرديّة من طريق حكاية شاب أميركي من أصول أفريقية يدعى "بوبون" يجاهر بانتمائه إلى أبناء جلدته عبر مقاربة شاذّة تقوم على إحياء العبودية والتمييز العنصري، فيواجه وبسبب تصميمه المُختلّ قوس المحكمة العليا.
يكتب بيتي إذا عن "بوبون" المُلقّب بـ "الخائن" والذي نشأ في بلدة ديكنز ضمن "غيتو"، في ضواحي لوس أنجليس، في مزرعة داخليّة تقع ضمن المدينة - على رغم غرابة الفكرة - وتمتدّ على نحو خمسائة فدان من الأراضي المُحاذية لإحدى القنوات.
يفصح بيتي عن راوٍ يتحدّث بصيغة تخترق نفسه البشريّة كأنها خرقة شفّافة ويغوص في استرجاع ملامح والده الذي عامله كفأر تجارب ووسمه بالخشية من الجميع. نقرأ "أظنّ المشكلة تكمن هنا تماما، لقد نشأتُ على فكرة ألاّ أعرف أفضل مما أعرفه. كان والدي (كارل دجونغ ليرقد بسلام) عالماً إجتماعيا على شهرة معيّنة. ومن موقعه كمؤسس لنطاق علم النفس التحرّري وكممارس وحيد لهذا العلم - على حدّ علمي - راقه أن يجول حول المنزل المعروف أيضا بإسم "صندوق سكينر" (جهاز التجارب على الحيوانات) وهو يلبس رداء المختبر. في حين كُنتُ أنا فأر مختبره الأسود والمديد والهزيل وشارد الذهن في مطابقة كاملة مع نظريّة بياجيه حول التطوّر المعرفي".
ضمن هذا القالب الروائي، لا يسع الإحالات الثقافيّة المعطوفة على التعليقات السياسيّة والغضب والنكات النابعة من الكآبة سوى أن تؤلم خصوصاً حين تفسح لشخوص ينصرفون إلى كلام على شيء من الفلسفة الشعبيّة الموغلة في الصدق. ها هنا حكاية لا تقلق من احتمال أن تترك القارىء يعاني الرضوض النفسانية.
وإذا كان محكمو جائزة "مان بوكر" عمدوا إلى تشبيه سرد بيتي ابن الرابعة والخمسين والرجل الأميركي الواصل إلى بريطانيا، بسرد مارك تواين ففي ذلك فيض من الصوابيّة خصوصاً لناحية إهتمام بيتي بتوظيف الكلمة الصائبة عوضا من الإكتفاء بالكلمة شبه الصائبة.
قد يكون شيء من هذا الإجتهاد في صناعة القطعة الأدبية تسلّل إلى صوت بيتي، فخطفه الإنفعال في لحظة صعوده إلى المنصّة ظافراً ومتوجاً. قال للحاضرين "لا أرغب في أن أقول كلاماً قد يتراءى مأسوياً من قبيل ان الكتابة أنقذَت حياتي ... غير ان الكتابة منحتني حياةً". وهذا القليل في الظاهر، كثيرٌ جداً.

 

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard