علم نفس الجماهير: كيف تقتنع في لحظة ان "خصم الأمس" بات صديقاً وحليفاً؟

21 تشرين الأول 2016 | 16:24

المصدر: "النهار"

الحريري مستقبلاً عون في بيت الوسط مساء الخميس.

"بالروح بالدم نفديك يا زعيم" شعارٌ اعتاده اللبنانيون، الذين بات أغلبهم رهن اشارة "الرئيس"، طلباته اوامر وما عليهم الا التنفيذ، يحبون ما يحب، ويكرهون ما يكره، تبعية عمياء للرجل الذي لا يخطئ، بنظرهم، من يحمل البوصلة ويتجه بهم الى برّ الأمان، كلامه مطاع، وآراؤه دائماً نافذة، حتى لو انتقل من ضفة إلى أخرى، وتجاوزت قراراته حدود الفهم، يبقى هو الحكيم الرشيد، السلطان الفهيم، الأخبر بمصلحة البلاد، الذي يقود سفينتهم أينما أراد وكيفما شاء وما عليهم سوى الركوب والتصفيق.


البعض يضع اللوم على الحرب الأهلية التي كرست الارتباط الطائفي والتبعية المذهبية العمياء، لكن هذه المرة خرج بعض انصار التيار من عباءة الزعيم "السني"، رفضوا قراره بترشيح العماد الى كرسي الرئاسة، فالعداء الكبير وتبادل الاتهامات بينهم وبين تكتل "التغيير والاصلاح" وحالة الفراغ التي عاشتها البلاد منذ عامين ونصف والتبعات "السوداء" على الامن والاقتصاد لم يمحوها توافق الزعيمين، هب بعضهم، ابدوا امتعاضهم، معلنين عدم انسياقهم وركوبهم سفينته هذه المرة. على العكس من ذلك رحبت الجماهير البرتقالية بترشيح الحريري لزعيمها التي تجد به الممثل الشرعي للمسيحيين.

 

الجماهير تصنع الزعيم
سلسلة من القرارات الصادمة شهدها لبنان في الفترة الاخيرة، من مصالحة عون – جعجع وتبني الأخير ترشيح العماد، الى مبادرة الرئيس الحريري بترشيح رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، واعلان زعيم المستقبل تأييده ترشيح #عون.
جماهير الزعماء الثلاثة عون، جعجع وفرنجية، تقبلت هذه المصالحات في حين شذ بعض أنصار "#المستقبل" عن القاعدة المتعارف عليها "لا يوجد كلمة تعلو فوق كلمة الزعيم"، فكيف يفسر علم النفس هذه الحالة؟
"في كتابه Discours de la servitude volontaire تحدث Etienne de la Boetie عن علاقة الشعب بالرئيس الديكتاتور، الذي يفرض ما يريد على شعبه، مؤكداً ان من يصنع من الرئيس ديكتاتورا هو الشعب نفسه"، بحسب ما قال الطبيب والمحلل النفسي ورئيس قسم الطب النفسي في مستشفى جبل لبنان الدكتور شوقي عازوري في حديث لـ"النهار" حيث شرح الاسباب الكامنة وراء هذه التبعية العمياء للزعماء، قائلاً ان "الجماهير تملك طريقة تحرك معينة بينها وبين رئيسها، كل منا لديه ما نسميه في علم النفس الـ(انا) المثالية، عندما يكون هناك ظاهرة الزعيم، تنتزعها الجماهير من داخلها وتسقطها بشخصه، تخسر الأنا ويربحها هو، لا يعد لديها التعالي المفروض، ترجح كفة الميزان للزعيم، عندها تقوم بأي شيء يطلبه منها، فاذا قال ان السماء لونها احمر يراها الجمهور حمراء".

 

غريزة 
مجرد دعوة الزعيم جماهيره للنزول الى الشارع يلبيه حشد كبير، يهتفون بحياته ويهاجمون كل من لا يطيق، هي التبعية التي يرى فيها علماء النفس مظهرًا لغريزة اجتماعية هي غريزة احتفاظ الجماعة بوجودها، هذا ما أكده عازوري الذي لفت الى ان "ما يوصل الانسان الى قبول كل قرارات الزعيم وتلبيته متى يريد هو غريزة التجمع الموجودة لدى الحيوانات، اذ لا نجد حيوانا وحيدا سوى النمر والأسد، أما البقر والخراف فهي دائما ما تكون في تجمعات، هذه الغريزة هي التي تدفع الانسان الى الاختلاط، فلو قصدنا البحر على سبيل المثال وجلسنا منفردين سيأتي اشخاص ويجلسون بالقرب منا، فالانسان يخاف من ان يبقى وحيدا، وكما هو معروف تخف نسبة الذكاء في التجمعات ما يفسح المجال للتبعية"، وفق عازوري.

 

"حدود الموت"

تبعية الجماهير لزعيمها "ضعف وليس قوة"، بحسب عازوري الذي أضاف ان "هذا التعامل الميكانيكي لا يمكن السيطرة عليه الا اذا كان الانسان خارج الحشود التي تهتف للزعيم، فاذا دخلها بات معرضاً لخطر الاندماج"، لكن الى أي حد يمكن ان تتبع "الرعية" سلطانها، ردّ "الى حدود الموت، لا ترفض الجماهير أي طلب للزعيم، قد تغادر الحشد وتنتقل لتبعية آخر لكن ان ترفض طلباً فهو أمر مستحيل". ما يعني أن بعض جماهير تيار المستقبل كسرت القاعدة بعدما خرجت على قرار الزعيم، معتبرة تأييده ترشيح عون ضربة غير مقبولة اياً تكن مبررات الترشيح. وبعدما اعتبر عازوري أن لا علاج لهذه الظاهرة سوى " رفع الوعي الثقافي والعلمي لدى الجماهير، ما يخفض نسبة التصرف الحيواني والتبعية بطريقة عمياء"، يطرح السؤال هل الوعي الثقافي لدى الجماهير المتمردة على الزعيم أكبر من باقي "أتباع" الزعماء بعدما قالوا "لا"؟!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard