أسدٌ ونقشّ في مطار بيروت

19 تشرين الأول 2016 | 18:02

المصدر: "النهار"

  • رلى راشد
  • المصدر: "النهار"

(الأرشيف).

حمل لي المرور بقاعة المغادرة في "مطار رفيق #الحريري الدولي" خلال سفري الأخير إلى خارج لبنان، فرصة سارّة متجدّدة تمثّلت بمتعة اللقاء الداني بقطعتين أثريتين من بين تلك العديدة التي يزخر بها لبنان وبات ميناء بيروت الجوّي حاضنة لقسط منها.

في الفسحة المُعدّة للرحيل والمهيّأة على مغامرة الإقلاع من الواقع المحليّ إلى آخر ينطوي على ثلة من الإحتمالات المشرقة أو الأقل إشراقاً ربما، ثُبتت قطعتان أثريتان لافتتان. إحداهما كناية عن أسدٌ منحوت من الحجر الكلسيّ إكتشف في بيروت ويرقى إلى الفترة الرومانية (64 ق.م. و395 م.) بدا فاغر الفمّ ومؤتمناً على وفرة من التفاصيل. أما القطعة الثانية القائمة في ركن قريب فتضارعه بهاء وهي نقشٌ رخامي مزيّن برأس ثور ووريدات وأكاليل نباتيّة وعناقيد عنب يشكّل جزءاً من ناووس أُخرج من باطن أرض صور ويعود إلى الفترة الرومانيّة أيضاً ويتراءى كأنّه يُحيي ومن طريق قسماته الدقيقة، لحظة سخاء طبيعية ذات مسحة متوسطيّة مألوفة.

هاتان القطعتان من بين مكوّنات المعرض الدائم في حرم المطار ويشمل سبعا وثلاثين قطعة وقد تحقق بسعي من وزارة الثقافة وبالتعاون مع وزارة الأشغال العامة قبل شهور قليلة ليأتي ببرهان دامغ على ماضٍ يواظب على إثارة دهشتنا وإن بات يلفّه غبار سميك بسبب حاضر مغرق في خيبته.
في المكان ذي الأرضية الرخاميّة وضع شيء من إرثنا الوطني في متناول المُترحّلين إلى أصقاع العالم وفي تماس مع حدقاتهم فتسلّلت القطعتان التاريختان وصنواتها إلى الفضاء العام من دون أن يفصلهما عنه أي حاجز زجاجي من شأنه أن ينأى بهما عن عيون الناظرين المتطفّلين. وكأن في خيار المباشرة هذا، استعارة في ذاتها، كأنه سعيٌ لهدم الهوّة الزمنية بيننا وبين تاريخنا. هوة صارت تتخذ ويا للأسف، بُعد الحاجز المفهوميّ، حتى.

ليس سراً إذا قلنا اننا لم نعتَد على خروج شذرات ثقافتنا إلينا واننا درجنا على أن نقبض عليها في مطارحها التقليدية فحسب. لم نسمح لها، سوى نادراً، بالتجاسر على خطوة مغادرة المتاحف المعدّة لها أو مناسباتها الدورية أو ترك روزنامتها العادية جانباً، على نسق ما فعلت مثلاً مبادرة "ليلة المتاحف" التي نجحت تدريجاً، وفي نسخاتها المُتلاحقة، في جعلنا كمجموعة نحيد عن تحفّظاتنا النفسّانية الغليظة التي أربكتنا في كل مرة انبغى لنا أن نُقيّم ما نحن عليه اليوم في مرآة ما كنّا عليه في الأمس.

أجمل ما في أروقة المطار البيروتي انه صار يحاكي تجارب موانىء دوليّة من قبيل مطار سان فرانسيكسو أو مطار عاصمة كاتالونيا برشلونة مثلاً حيث ثمة جداريّة هائلة للمدهش جوان ميرو تزهر في باقة من الألوان الخزفيّة الزاهية ولا تلبث أن تخبر الواصلين كيف تُقارب الأعمال الفنية كدعوة إلى السفر.
أجمل ما في هاتين القطعتين اللتين تستوقفان قلّة من المارّين في محاذاة بوابات المغادرة في مطار بيروت انهما ترتفعان في وسط العلامات الإستهلاكية الفاخرة وغير المحليّة في سوادها الأعظم. كأن الأسد والنقش الحجري وبمجرد وجودهما في هذا المطرح "غير الملائم" يواجهان على نحو وقور وغير صاخب الإلهاء التجاري الراهن الذي صار يحتكر نهَمَنا البصريّ، على أكثر من مستوى.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard