أوليفر ستون يعرّي أميركاه في روما: هيلاري ليست أفضل من ترامب!

19 تشرين الأول 2016 | 16:36

المصدر: "النهار"

أوليفر ستون في روما (تصوير هـ. ح.).

أوليفر ستون في "المدينة الأبدية". الحدث أهم من أن يمرّ بلا أثر وتصريحات نارية وتَدافع معجبين للفوز بتوقيع منه. المخرج الأميركي (٧٠ عاماً)، صاحب الأفلام التي عرّت نظام بلاده وسياساتها الخارجية المشكوك في مناقبيتها، شارك في "عيد روما السينمائي" (١٣ - ٢٣ الجاري) بـ"سنودن"، أحدث أفلامه السجالية، وهو عن المتعاقد السابق مع وكالة الأمن القومي، ادوارد #سنودن، المطلوب للعدالة بعدما سرّب تفاصيل برنامج التجسس العام ٢٠١٣.

عمل يحبس الأنفاس، إنّه أفضل أفلام صاحب "قتلة بالفطرة" منذ سنوات. عودة ستون إلى ستون الذي أحببناه سابقاً، سواء كمخرج أو كاتب سيناريو أو ناقد لاذع لتجاوزات بلاده وفرط استخدامها السلطة. قبل ساعتين على عرض الفيلم على الجمهور الروماني، قدّم ستون حواراً طويلاً في صالة مكتظة أداره مدير المهرجان الفني أنتونيو موندا والناقد ريتشارد بنيا. إلا أنّ ستون، الفائز بأربع "أوسكارات"، تحدّث قليلاً عن الكيفية التي أنجز فيها عناوين باتت من كلاسيكيات السينما الأميركية كـ"وول ستريت" و"بلاتون" و"مولود في الرابع من تموز" (نقد لاذع لأميركا وقيمها الاقتصادية والوطنية والدفاعية) وثلاثيته الرئاسية (كندي، نيكسون، بوش)، مفضّلاً أن يُحدّث جمهور أوروبا - تلك التي يتحدّر منها أجداده - عن الخيارات السياسية التي تعكّر صفو دولة لا تزال ترفع شعار "معي أو ضدي"، على حد قوله. ولأنّ الانتخابات الأميركية على بُعد ثلاثة أسابيع، انزلق الحوار إلى نزلاء البيت الأبيض بين مَن شغله ماضياً ومَن سيشغله في الأشهر المقبلة. بالنسبة إلى ستون، كلٌّ من الشعب والسلطة في أميركا يتحمل مسؤولية الحال التي آلت إليها بلاده؛ فالأول مشغول بهاتفه الذكي ولم يدرك أهمية تسريبات سنودن، فيما الثانية لا تزال تضطلع بدور شرطة العالم، دور مزروع في جينات الإنسان الأميركي.

أثناء الحوار في روما مع ريتشارد بنيا.

"العمل في السبعينات كان مغامرة"، يتذكّر ستون الذي أنجز أول أفلامه العام ١٩٧٤. "انه زمن ريغن. كنا نعمل بموازنة شحيحة. معظم مشاريعي كانت الاستوديوات رفضتها بحجة أنّها مفرطة في الواقعية. بعد "وول ستريت"، بدأتُ العمل مع الاستوديوات، نظراً للنجاح الذي حققه هذا الفيلم. كنت محسوباً على اليسار الذي كان أحبّ السيناريو الذي وضعته لـ"سكارفايس". أتكلّم على حقبة بدأت فلسفتي الخاصة بالحياة فيها تتغير. بات واضحاً أنّ الولايات المتحدة تنتقل إلى المقلب غير السليم للتاريخ. كنت متعاطفاً مع كلّ الحركات الثورية في العالم (تعاطفه مع قوات كولومبيا المسلّحة الثورية المعتبرة إرهابية في أميركا أحدث جدلاً). مع ريغن دخلنا عصر رفع القيود. كلّ شيء بدأ يتغيّر. أنجزتُ "وول ستريت" العام ١٩٨٧، ولكن عندما ترى اليوم الوضع الذي عليه أميركا تجد أنّ الأرقام تضخّمت؛ مئة مليون دولار آنذاك تساوي مليار دولار اليوم. جماعة ريغن باشرت تدمير الطبقة الوسطى في أميركا، ودفعنا أثماناً باهظة نتيجة ذلك. أُقفلت الكثير من المصانع، وفقد الكثيرون وظائفهم، والاهتمام الوحيد ارتكز حول ارتفاع حجم الأرباح. الهوة بين الطبقة العليا والطبقة الدنيا بدأت تتوسّع؛ هذا أمر غير سليم البتة لبلدنا واقتصاده. ترامب وُلد من هذا الفراغ. انه نتيجة هذا الاستياء. الطبقة الوسطى ذات الغالبية من البيض تدعمه إلى حدّ ما، لأنه يجسّد الغضب الحقيقي الناتج مما ارتكبته النيو ليبرالية في أميركا. ولكن في النهاية، هذا النظام النيو ليبرالي يفيد هؤلاء الناس. عندما صوّرتُ تتمة "وول ستريت"، كنت مصدوماً بما حلّ بوول ستريت، خصوصاً حين اكتشفتُ انه تمّت الاطاحة بمبدأ الفصل بين التجارة والاستثمار. نحن الآن في مواجهة شركات أكبر بكثير من أن تنهار. إنها لفوضى عارمة ما نعيشه. لم تعد الوول ستريت التي عرفها والدي. أتوق للأيام الماضية. الرأسمالية تستند إلى مبدأ الفائدة المالية وتدفع الشركات في هذا الاتجاه".

كافن كوستنر في "جي أف كاي".

إلى اليوم، لا يزال يرفض ستون نظرية أنّ جون كندي مات بطلقة رصاص واحدة. يشدد أنّ هذا هراء. ويفاجئه أنّ هذا الاحتمال لا يزال وارداً عند بعضهم. "طبعاً، الشعب الأميركي يقبل كلّ شيء حالياً، يقبل تنصّت السلطة... نحن كالقطيع منذ مدّة طويلة. بالنسبة لـ"جي أف كاي"، فأنا لم أصوّر السيناريو الذي اقترحته على الاستوديو، لأنني ما كنت حصلتُ على موافقة عليه. وددتُ أن أروي اغتيال كندي من وجهات نظر عدة على طريقة "راشمون" لكوروساوا. أردتُ أن أقول للمُشاهد: هذا ما قيل لك في قضية كندي، والآن إليك ما حصل في الحقيقة. ثمة مثلاً نظرية الرصاصة السحرية التي كانت مثيرة للسخرية. معالجة الفيلم أتاحت المجال للعبة كرة بين التقليديين والناس الذين فقدوا حسّهم النقدي. المرحلة التي أنجزتُ فيها "جي أف كاي" كانت واحدة من أصعب مراحل تاريخي المهني. ظللتُ أدافع عن الفيلم ستة أشهر بعد تصويره. شاركتُ في العديد من البرامج التلفزيونية. وسائل الإعلام في أميركا طابعها جدّ تقليدي ومحافظ، وهي أصرّت أن تجعلنا نبدو كمجانين. كانت تجربة قاسية تذوّقتُ مرارتها مرة أخرى مع "مولود في الرابع من تموز".

في نظر ستون، أنّ رؤساء أميركا يتبدّلون، لكنّ السياسة الأميركية تبقى على حالها. ثمة سياسة ومال، وثمة صناعة وأمن (بعد ١١ أيلول)، والميديا الرسمية التي تنحاز إلى طرف دون آخر وفيها الكثير من الشللية. بلا أيّ خوف من أن يُتّهم ببلورة نظريات مؤامراتية، يقول ستون: "كلّ هذا نشأ بسببه شيء يسميه بعضهم بالدولة المصغرة، وبعضهم الآخر يُطلق عليه الحكومة السرية. يمكنك أيضاً تسميتها "نظام الأمن العالمي"، وهذا يتأتى من الاقتناع الراسخ بأننا نحن في أميركا شرطة العالم. هذا الشعور تكوّن لدينا منذ الحرب العالمية الثانية، وعزّزت ١١ أيلول مكانتنا فيه. والآن، بات للتواصل عبر الانترنت سلطة كبيرة وهو يتطلّع لتبديل أنظمة كروسيا وإيران والصين وسوريا، ولاحقاً سيأتي دور فنزويلا والبرازيل...".

أنتوني هوبكينز في "نيكسون".

صوّر ستون "نيكسون" (١٩٩٥)، وهو في حال من التقمص الوجداني مع الرئيس الأميركي. يعني وضع نفسه كسيناريست في "حذاء الشخصية" (التعبير له). بسبب والده الذي كان يؤيده، شعر بأنه تربطه بالرئيس غير المحبوب صلة ما. يتذكّر: "تعرّضتُ لانتقادات، لكنني أعتقد أنّ نيكسون كان ذكياً ومعذباً، فشقيقاه الصغيران توفيا عندما كان شاباً. عاش حياة صعبة خلافاً لكندي. لم يعجبني ما فعله بأميركا، بل أرى إنه وضعها على طريق الانقسامات والحروب، إلا انني أؤمن بأن عذاباته كانت حقيقية. اللافت أنّ أفضل خطاب ألقاه كان عندما استقال، والناس صدقوه! نيكسون أكمل حرب فيتنام. بعد معارضة شعبية كبيرة استمرّت سنتين، بدأ بالانسحاب. كان يسعى إلى السلام، لكنه قصف هانوي في ليلة الميلاد. هاجم كمبوديا. ما فعله كان مرعباً. لم تعد آسيا كما كانت سابقاً. نهضتْ آسيا بسرعة بفضل الجيل الجديد. لا تزال آثار الصواريخ واضحة هناك. انه لشيء مقرف. خلقنا الأزمة الكمبودية مع الـ"خمير الحمر". نيكسون كان كارثة ولم يستطع توقيف الحرب لأنه كان خائفاً من الخسارة. اتّبعتُ الصيغة ذاتها عندما أخرجتُ "بوش"، وإن كان بوش ينتمي إلى روحية أخرى، ووُجِّهت حيالي النوعية نفسها من النقد. فعلتُ هذا أيضاً مع "سنودن". أنا لا أفعل إلا نقل حكايته بالنحو الذي رواه لي، وأحاول أن أمشي منتعلاً حذاءه. مهما فعلتَ، ستكون عرضة للنقد. سنودن، نيكسون، بوش، إلخ. أنا أحاول أن أروي سيرة أشخاص من دون أن أفرض نفسي من خلالهم. أعرف أنّه من الصعب أن يفهم المُشاهد هذه الحقيقة، ذلك إنه عندما يرى فيلماً يحمل توقيعي يعتقد رأساً أنّ هذا رأيي في الشخصية المطروحة".

"سنودن"، أحدث أفلامه.

يروي ستون أنّ الولايات المتحدة تعيش السياسة كما لو كان ضدّها اعتداء متواصل منذ الحرب العالمية الثانية. "كنا دائماً متأهبين، وفي اعتقادنا أنّ الـ"كساد الكبير" سيعود. العام ١٩٤٧، استولى الجمهوريون على الكونغرس وأقنعوا البقية أن يستثمروا في الجيش وإلا عاد الكساد. والحرب الباردة عزّزت هذا الشيء. بالغنا في كلّ شيء. حتى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ظللنا نعيش في المغالاة رغم أنّه لم يعد لنا أعداء. وبعد شهر من سقوط جدار برلين، أقمنا عدواناً على بَنَما وقتلنا عدداً من المدنيين، ثم الكويت وإلخ. هذا هو المنطق الذي يستولي على بلدنا. نحتاج دائماً شيئاً لنحاربه. لا مسوغ لإرسال آلاف الجنود إلى الشرق الأوسط، كان هذا ضرباً من الجنون. أُصبتُ بصدمة! أيّ جندي مثلي كان في فيتنام يُصاب بهلع وهو يرى هذا. وعندما أعطى أسامة بن لادن مبرراته الإثنين الداعمين للهجوم على أميركا، أحدها كان غزو الكويت. كلّ هذا زاد أعداء أميركا!

موقعاً الأوتوغرافات.

ترامب هو الآن الرجل الشرير في وسائل الإعلام، ولكن هيلاري هي التي تمتلك "فري باس". ستبدأ حرباً جديدة مثلما الرئيس جونسون بدأ حرباً جديدة. يجب أن تستوعبوا أنّ هذه هي الطريقة الأميركية في التفكير: نحن عدائيون بالفطرة، نتابع التلفزيون ونشاهد السينما، وكلّ شيء عندنا مسألة منافسة بدءاً من المدرسة إلى الرأسمالية. كوني من أصول أوروبية (فرنسا)، أعي أنّنا فقدنا مفهوم الطراوة. ثمة شيء اسمه المعالجة الطرية للأمور، ليس عليك أن تستعمل القوة والغضب دائماً، كلّ هذه الأشياء التي صارت اختصاصاً أميركياً. في أميركا، كلّ شخص مع السلام يُعتبر شخصاً يشكو من علّة. في الوقت الحالي، لا يوجد لدينا حزب السلام. ساندرز حاول قليلاً (ليس كثيراً). السيدة هيلاري كلينتون كانت دائماً مع الحرب؛ تؤيد كلّ النشاطات العسكرية وتطالب بالمزيد من الدعم للجيش، وهي أيضاً رأس حربة في قلب الأنظمة حول العالم. أين داعمو السلام في الولايات المتحدة؟ لم يعد لهم وجود!".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard