العميد ابرهيم فتح ملفات "العسكرية" لـ"النهار": أفتخر بحكم سماحة وهكذا يناور الأسير وعباس

11 تشرين الأول 2016 | 21:20

المصدر: "النهار"

تصوير حسن عسل.

عاد العميد خليل ابرهيم الى منزله بلباس مدني هذه المرة، يتنازعه شوق لتعويض عائلته ما فاتها خلال خمس سنوات قضاها رئيساً للمحكمة العسكرية الدائمة ومنصهراً في ملفاتها، وغصة على ترك مكان منحه عصارة الفكر والجهد في واحدة من أخطر المراحل التي شهد لبنان خلالها محاكمات إرهابية حساسة.

بعد تسليمه الأمانة الى الرئيس الجديد العميد حسين عبدلله، يفكر "الريس" ملياً بخيارات المرحلة المقبلة المهنية، وهو يشعر انه في قمة العطاء ممتلكاً مخزوناً من الطاقة والمعلومات، ولا يتردد في التعبير عن امتعاض من قانون يجعل الضابط يتقاعد في سن الـ52 عاماً بينما يتاح للقاضي البقاء في عمله حتى سن الـ62 عاماً.

 في منزله الكائن في الروشة، استقبل العميد الطيار "النهار" في يومه الأول باللباس المدني. كان عائداً للتو من المحكمة والتأثر بادٍ على وجهه من فراق أمكنة اعتادها وناس بادلهم المودة. انضمت الينا زوجته السيدة ناهدة التي عبّرت مراراً عن فرحها بـ"عودة العميد الينا، فلم نكن نراه، ولا نخرج سوياً كأي عائلة، لا بل أني كنت أجيب من يسألني عنه بأن يسلّم عليه حين يراه...".

انتقل الرجل من خدمته العسكرية في القوات الجوية الى العمل مستشاراً لدى محكمة التمييز العسكرية، ما مكنّه من العمل مع قضاة مشهودين. وقبل شهرين من تعيينه رئيساً للمحكمة العسكرية منذ 5 سنوات، انكبَّ على حفظ كتب القانون التي يجزم انها زوّدته بأهم مما تحمله اجازة في الحقوق لم ينلها.
دأب ابرهيم على بدء عمله اليومي في السابعة صباحاً ولم يكن ينتهي حتى منتصف الليل أحياناً، يمضي الوقت بين محاكمات ومذاكرات. ولا تقتصر دراسة القضية على قراءة الملف بل الغوص في شخصية المتهم بعمق. وهو أمر في غاية الأهمية خصوصاً مع متهمين خطرين من أمثال نعيم عباس وأحمد الأسير.

 

خبث وذكاء
يجزم العميد "أن لا أحد يعرف عباس مثلي، كل من "#داعش" و"#جبهة_النصرة" و"كتائب #عبدالله_عزام" يتنازعون التودد اليه، اجتمعتُ معه ساعة على انفراد، قرأت ملفاته بتمعن، هو من الأشخاص الذين يولدون مع حسٍ أمنيٍ رهيب، خبيث وذكي لدرجة مخيفة وملامحه الشخصية لا توحي بالاجرام".
ويقول ان الارهابي الخطر يفهم ثغرات القانون ويستغلها جيّداً. لديه قناعة انه يجب ألا يحكم، تعويلاً على عملية تبادل، وهو يعرف انه في حال حكم ستصعبُ الأمور وتحتاج الى مرسوم عفو وإمضاء من رئيس الجمهورية.
وينتقد محامين يدافعون بشراسة عن الارهابيين ويساهمون في المماطلة بالمحاكمات، فالقانون ينص على وجوب تعيين محام للمتهم، لكن المشكلة ان ليس هناك محام يقبل التوكل عن موقوف اذا كان لديه محامي آخر.
وفي حالة عباس، "راسلتُ نقابة المحامين في الشمال وطلبت إجبار المحامي على الحضور او اعتزال الوكالة. فطلبوا منه اعتزال الوكالة، وهنا سألتُ عباس تعيين محام آخر، فطالب بـ "منتصر الزيات"، ومع الصعوبة اللوجستية، قبِل بتوكيل المحامية فاديا شديد، لكنه حين وصل الى قناعة بقرب صدور الحكم، أعلن عزلها، وهنا للأسف القانون لا يتيح لنا فعل شيء".

 

 

مماطلة الأسير

استنفد المتهم #أحمد_الأسير الطرق في سبيله للمماطلة في المحاكمة، وطلب محاميه الاستمهال بعد الانتهاء من الدفوع الشكلية وسد المحكمة الطرق التي كان يحاول النفاذ منها للتأجيل في كل مرة. خرج محاميه بمرافعة يتحدث فيها عن مجمل المحاكمات والرغبة في العدالة. ولا يخفي ابرهيم انفعاله هنا وعدم مجاراته المحامي. لكن حين قال الأسير انه "ليس قادراً على المتابعة من الناحية الصحية...قلت انه حقه وقمت بالتأجيل".


بلغ عدد المدعى عليهم في ملف الأسير 122، ومثلت أمام المحكمة العسكرية ملفات 84 موقوفاً، استغرقت جلسات طويلة لتشكيل الخصومة.
استجوب ابرهيم 84 موقوفاً خلال 7 أشهر، وكان حينها يوشك الملف للانتقال الى مرحلة المرافعة، فاستهمل المحامون شهراً.


خلال هذه المدة، أوقف الأسير وكان يجب إعادة النظر في الملف كون الرأس المدبر وقع في المصيّدة. أيقن ابرهيم سريعاً ان الأسير لا يريد المحاكمة، لاسيما بعد ما اشيع من محامين عن عملية تبادل أسرى مع "داعش".
ويقول رئيس المحكمة السابق انه أمام هذا الواقع، قام بفصل الملف، "تركت 24 شخصاً مع الأسير... لقد صدق حدسي، شكلت عنصر ضغط على الأسير، حين أصبح الـ 24 يريدون المحاكمة وهو لا، وقلت له اني لن أبت بالطلبات الا حين يحاكم هو".

 

سماحة

يخيّل للمرء ان قضية #ميشال_سماحة هي من أصعب القضايا التي مرت على ابرهيم مخلفة خسائر جمة، لكنه يبادرك سريعاً بالقول "مقتنع بالحكم ولو عاد الزمن الى الوراء لن أضيف يوماً واحداً الى الحكم الذي أفتخر به. كان من أسهل الأحكام لأنه استند الى مواد قانونية، وفي الوقت عينه أقبل الحكم التمييزي وأرضخ الى حكم القانون".


لكن ماذا عن التسجيلات والاعترافات؟ هنا يحاجج بأن "المتفجرات ضبطت في وضعية غير معدة للتفجير، كما ان الجهة المنفذة وهمية وكذلك مكان تنفيذ الجريمة وزمانها وهميان، وهذا الأمر يحيلنا الى عناصر جريمة غير مكتملة والقانون لا يحاكم على النية".


لدى سؤاله عن امكان الفصل بين السياسة والقانون في الأحكام، يستعيد عدم وجود فصل حقيقي للسلطات والتعيينات التي يكون للسياسة يد طولى فيها، "لكن هامش النزاهة وتطبيق القانون يملك زمامهما بشكل كبير من يجلس على القوس".


ويقول بأن أحكامه استندت في أحيان كثيرة الى القانون وقراءة المصلحة الوطنية، مستعيداً اطلاق حسام الصباغ في طرابلس الذي يملك فكراً "قاعدياً" لكنه "ليس متورطاً في مسائل جرمية على الأرض، وخروجه نفس الشارع".

 

الحاجة الى #المحكمة_العسكرية

ويبقى وجود المحكمة العسكرية حاجة في رأي خليل، و"لا تتناقض مع النظام الديموقراطي، لاسيما وان دولاً تنشىء اليوم محاكم خاصة بالارهاب، كما ان عدد المدنيين الذين يعملون فيها أكبر من العسكريين، مع اقراره بالحاجة الملحة لادخال تعديلات على قانون القضاء العسكري.
ويحاجج أيضاً بالقدرة اللوجستية العسكرية الموجودة في المحكمة لحماية محاكمات متهمين خطرين، بحيث سيصعب تأمين حماية مماثلة في محاكم مدنية.

لكن ماذا عن المدنيين الذي يساقون الى محكمة عسكرية أليس في الأمر انتهاكاً لحقوقهم؟ يجيب ابرهيم بأن "العسكرية" هي المكان "النظيف الذي لا وجود فيه لسمسرة كما ان أي تطاول على مدني لا يمرّ من دون عقاب... ". ومن ناحية أخرى، يضمن وجود هذه المحكمة "هيبة الأمنيين في حال محاكمتهم، وهو الأمر غير المضمون أمام محاكم مدنية، كما ان المحاكمات أسرع في "العسكرية" وتضمن تعيين محام للموقوف".
ويحمل ابرهيم على "وسائل إعلام تعتمد الاثارة من دون التحقق من القضايا"، معطياً مثال قضية محاكمة قاتل المقدم ربيع كحيل، ويقول "نعم كان يجب ان يخرج ايلي ضو من السجن قبل الوقت الذي أمرت فيه باطلاق سراحه فهو ليس متهماً بالقتل كما ذكر بعض الاعلام وعمد الى تسليط الضوء على قطع الطرق ومهاجمة رئيس المحكمة".

 

منزل بالايجار

ولا يمنع هذا الانتقاد ابرهيم من توجيه التحية "للأقلام الحرة" التي رافقت مسيرته في المحكمة، ومنها تلك التي نقلت قصصاً تعرفها قلة عن رئيس المحكمة السابق الذي دفع أحياناً كفالات موقوفين كانت مبالغ قليلة تحول بينهم وبين الحرية.


يقطن العميد وعائلته في منزل بالايجار، ويبحث الآن عن شراء سيارة بسعر مقبول، كما يقول. بات الوقت متاحاً أكثر ليقصد بلدته الجنوبية بليدا حيث يداعب هواء الخريف الجميل فكرة البدء بكتابة ما اختزنته الذاكرة من معلومات هائلة عن أخطر القضايا التي يتجاذبها الأمن والقانون والسياسة. 

 

diana.skaini@annahar.com.lb

@Dianaskaini

 

"قطعة حرية" معرض جماعي لـ 47 مبدعاً تجسّد رسالة "الدفاع عن الحرية ولبنان"

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard