حبل الكذب قصير

7 تشرين الأول 2016 | 11:50


لم تكن تعلم يوم خبّأت حقيقة ما جرى معك وأخفيتهُ بكذبة صغيرة، أنّ تلك الكذبة ستُدخلكُ دوّامةً تُقلقُ لك عيشك في المستقبل. فكلّ كذبة تستدعي أخرى لاحقة لتستُرَ السابقة، فيغزلَ بها الكذّاب حبل كذبه، الذي مهما طال، بقي قصيرًا وانتهى. وحين يذوب الثلج يبينُ المرج.


وكم من مصائبٍ حلّت بنا لأجل ما اختلقناه بادّعائنا أو ما أخفيناه بسكوتنا. فالكذب نوعان: إمّا اختلاقُ حقائقٍ وإمّا السكوت عنها. ومن أقسى ما يتسبّب به الكذب من أزمات هو ما يطالُ نفس صاحبه من اضطّرابٍ نفسيٍّ ومن عبوديّةٍ داخليّة للأكاذيب. وحده قولُ الحقّ يحرّرنا (يو 8، 32). كما يتسبّب الكذب بزعزعة العلاقات وجرح الثقة وصولًا إلى تباعدٍ تامٍ لا عودة عنه.
والجهادُ ضدّ مكايد الكذّاب الذي يسكُنُ فينا كثيرُ الصعوبة. ففي كلّ مرّةٍ نُحاربُهُ يعودُ إلينا من حيثُ لا ندري، مقنّعًا بالعادة، مسّلحًا بحجج الضرورة، ويتسلّل إلى ألسنتنا منغِّصًا عيشنا. وقول يسوع في الشيطان أنّه الكذّاب وأبو الكذّابين (يو 8، 44)، هو إشارةٌ واضحة لخطورة الانجرار خلفه والوقوع في فخاخه.

انتصارٌ على الخوف
للتخلّص من عادة الكذب لا بدّ من البحث في أصولها. فإذا عاينّاها واحدةً تلو الأخرى، وجدناها متفرّعة من شعورٍ عميقٍ يكمُنُ في قلب الإنسان وهو الخوف. فالإنسان يكذب لخوفه من الحقيقة، لخوفه من الظهور واضحًا أمام الناس، لخوفه ألّا يكون محبوبًا أو أن يُحكم عليه، لخوفه من ردود فعلٍ قاسية على أفعاله. كمثلِ الطفل الذي يُخفي عن والدته رسوبه امتحان الكيمياء خوفًا من القصاص.
وفي الحرب على الكذب جبهتان. الأولى ذاتية تتّسمُ بنضجٍ إنسانيٍّ يبقلُ فيها كلُّ واحدٍ ذاته، ويحملُ مسؤولية جميع قراراته وأعماله وتصرّفاته. فيكون كذي سلطانٍ لأّنه ذو حقٍّ. والأخيرة هي اجتماعيّةٌ يقبلُ فيها واحدنا الآخر على اختلافه، دونَ أن يشعُرَ بحاجته إلى اختلاقِ شخصٍ آخر يكونُ جواز سفره نحو المجتمع المعقّد.

"الكذبة كذبة... لا أبيض ولا أسود"
في الختام، تجدُرُ الإشارة أنّ تبرير الكذب وتلوينه وتصنيفه بين كذبة بيضاء وأُخرى سوداء، لا يُزيلُ خطره ولا يبرّرهُ. وإن كانت فيروز في رائعتها "تعا ولا تجي"، قد شرّعته لحبيبها، فيبقى الكذب علامة نقصٍ في النضوج الإنسانيّ. إذن، نحنُ اليوم أمام مسؤوليّة بناءِ جيلٍ ناضجٍ في الحقّ، ومجتمعٍ لا يقبلُ إلّا بالشفافيّة، سيّما أنّ اللبنانيّين، لا جميعهم طبعًا، باتوا موصوفين بقلّة صدقهم.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

طريقة الدفع

عبر بطاقة الإئتمان الخاصة بك.

NetCommerce

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني