تحرير الموصل يكسر الجرّة بين بغداد وأنقرة؟

5 تشرين الأول 2016 | 18:27

المصدر: "النهار"

(أ ف ب).

تزامنا مع اقتراب موعد المعركة الحاسمة ضد تنظيم #الدولة_الإسلامية في #الموصل، تصاعدت حدة التوتر بين بغداد وأنقرة على خلفية تمديد البرلمان التركي فترة بقاء وحدات من الجيش التركي في العراق وتصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان التي أكد فيها المشاركة في معركة تحرير الموصل، ووصلت الى حد الحرب الكلامية بين العاصمتين وتبادل استدعاء السفراء.

وحذّر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي تركيا من أن إبقاء قواتها في شمال العراق قد يؤدي إلى "حرب إقليمية". وقال إنه طلب أكثر من مرة من الجانب التركي عدم التدخل في الشأن العراقي. وعبّر عن تخوّفه من أن تتحوّل "المغامرة التركية" إلى حرب إقليمية. واعتبر أن تصرف القيادة التركية غير مقبول، لكنه شدد على إنه لا يريد الدخول في مواجهة عسكرية مع #تركيا.

وعلى الأثر صوّت مجلس النواب، بالإجماع على رفض قرار البرلمان التركي تمديد بقاء القوات التركية على الأراضي العراقية. وطالب الحكومة باستدعاء السفير التركي ببغداد وتسليمه مذكرة احتجاج. كما طالب ايضا بسحب السفير العراقي من أنقرة وطرد السفير التركي من بغداد وقطع العلاقات الديبلوماسية ومقاطعة البضائع التركية ووقف تصدير النفط العراقي عبر الأراضي التركية، وحمّل الولايات المتحدة مسؤولياتها بموجب الاتفاق الاستراتيجي الموقّع مع العراق عام 2008 لإخراج تلك القوات المحتلة.

وأثار قرار مجلس النواب العراقي استياء الجانب التركي الذي سارع بدوره إلى الردّ على هذه الخطوة بإدانة القرار، واعتبار انه تضمّن تهمًا باطلة. وأعربت وزارة الخارجية التركية عن اعتقادها أن القرار لا يعكس أراء شريحة كبيرة من الشعب العراقي "الذي وقفت تركيا إلى جانبه لسنوات عدّة، وسعت لدعمه بكافة الوسائل المتاحة".

وكان البرلمان التركي صوّت نهاية الاسبوع الماضي على تمديد بقاء القوات التركية في العراق وسوريا لمدة عام آخر، وقال اردوغان بعد التصويت إن بلاده ستشارك في معركة استعادة الموصل من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية.

وأثار هذا الجدل خشية المراقبين من أن يؤثر هذا التصعيد الحاصل بين أنقرة وبغداد على مجرى العملية المرتقبة ضد تنظيم "داعش" في الموصل.
وحذّر قطاع واسع من العراقيين من تبعات سياسة أردوغان المعتمدة اخيرا مع دول الجوار التي حملت مؤشرات توسعية تركية تحت غطاء مكافحة الارهاب. ولكن فريقًا عراقيًّا آخر وإن اتفق مع قرار البرلمان العراقي القاضي بطرد القوات التركية والحد من تدخلها في شؤون البلاد الداخلية، إلا أنه طالب الحكومة بتوسيع هذه السياسة لتشمل دولًا أخرى تتدخل بشكل مباشر سياسيا وعسكريا في العراق، وخصوصا ايران التي يعدّها البعض الحاكم الفعلي المستتر للبلاد.

مطامع تاريخية تركية
وتوحي كل الدلائل والقرائن على الارض بأن الجيش التركي على أهبة الاستعداد للتدخّل في معركة الموصل المقبلة . وقد اتخذت أنقرة التدابير السياسية والديبلوماسية واللوجستية والعسكرية للتمهيد لغزو الموصل وكركوك. وكانت تركيا قد نشرت جنودا في معسكر زليكان على مشارف الموصل، مدّعية أن ذلك جاء بناءً على طلب من محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي، الأمر الذي تنفيه الحكومة العراقية، ويقدّر عدد القوات التركية الموجودة في المعسكر بنحو 1200 عنصر. ناهيك بوجود قواعد عسكرية تركية في كردستان العراق برضا حكومة الاقليم برئاسة مسعود البارزاني.
ويبرّر اردوغان شرعية التدخّل التركي بسند تاريخي، وهو الاتفاقية المبرمة بين الاستعمار البريطاني انذاك والدولة الاتاتوركية سنة 1925 وبموجبها يعطي العراق حصة من نفط كركوك لتركيا مع السماح للتدخل التركي لحماية الاقلية التركمانية في العراق.

الأهمية الاستراتيجية

وتعتبر الموصل العراقية تاريخيًا ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لتركيا، اذ كانت المدينة العراقية قبل نحو قرن جزءًا من السلطنة العثمانية، واحتلتها القوات البريطانية بعد توقيع "هدنة مودروس" عام 1918 بين السلطنة العثمانية والحلفاء، التي نصت على توقف الحرب بين القوات البريطانية والعثمانية، ولهذا اعتبرت السلطنة ما حصل يومها خرقا للهدنة، دون أن تنجح باستعادة الموصل. ولاحقا، عندما وقعت تركيا "اتفاق لوزان" عام 1923، الذي يُعتبر النهاية الرسمية للسلطنة العثمانية والاعتراف بالجمهورية التركية الجديدة وفق الحدود الجديدة المتفق عليها، بقيت قضية الموصل خارج المعاهدة لتبت فيها عصبة الأمم، التي أرسلت بدورها لجنة تقصي حقائق أوصت بأن تبقى المدينة تابعة للعراق، ووافقت تركيا على ذلك ووقعت اتفاق ترسيم حدود مع العراق عام 1926، وبقيت الموصل تابعة للعراق، الذي غيّر اسم المحافظة إلى نينوى.

وفي رأي الكاتب محمود علي فانه على رغم أن نزاع الموصل انتهى من الناحية القانونية بإبرام هذا الاتفاق، إلا أن الأتراك ظلّ في ذاكرتهم أن للموصل مستقبلًا غير الذي وضعه الاتفاق، حيث وعد مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك، نواب البرلمان المعترضين على الاتفاق آنذاك، بالعمل على "استعادة الموصل في الوقت المناسب"، حين يكونون أقوياء، وخصوصا لدى من يحمل أحلام وآمال تجديد الأمجاد العثمانية السابقة.
وينقل الكاتب عن السياسي العراقي محمد كياني، أن الخطوات التركية وتحركاتها وتصريحاتها استفزازية إلى أبعد الحدود، متهمًا أنقرة بوضع مخطط لضم ما يسمى في تركيا بـ"ولاية الموصل". كما اتهم قوى سياسية عراقية بالمشاركة في إحياء ما أسماه بـ"الحلم العثماني"، من خلال الاستيلاء على الموصل، ومن ثم التحرك باتجاه كركوك، وصولاً إلى جبل حمرين، مبينا أن هناك محاولات لتكون للقوات التركية اليد الطولى في معركة تحرير الموصل لتحقيق هذا الهدف، وإذا تعذّر ذلك ستحاول تركيا الافادة من القوى الموالية لها لتحقيقه، مشددًا على أنه على الحكومة العراقية تأجيل معركة تحرير الموصل حتى التأكد من إنهاء الوجود التركي داخل العراق، فبدون تحييد الوجود التركي سيفقد العراق سيادته على أراضيه وستدار الموصل بالنيابة من قبل قوى موالية لأنقرة.

ويذكر أن أردوغان قال في حوار إن"الموصل لأهل الموصل وتلعفر (مدينة قرب الموصل يقطنها التركمان) لأهل تلعفر، ولا يحق لأحد أن يأتي ويدخل هذه المناطق"، مضيفا "يجب أن يبقى في الموصل بعد تحريرها أهاليها فقط من السنّة العرب والسنّة التركمان والسنّة الأكراد".

وتعتبر القومية التركمانية، ثالث أكبر قومية في العراق بعد العرب والأكراد، ويقطن أبناؤها في محافظات نينوى، وكركوك، وصلاح الدين، وديالى، وبغداد، والكوت، والسليمانية، وتشير تقديرات غير رسمية، أن عددهم في العراق يبلغ نحو 3 ملايين نسمة، من مجموع السكان البالغ نحو 34.7 مليونًا، وفق معطيات وزارة التخطيط العراقية لعام 2013.

لكن وعلى رغم وجود "اصدقاء" كثر لتركيا في شمال العراق بين التركمان والسنّة العرب والاكراد المؤيدين للبارزاني، فإن مراقبين عراقيين يعتبرون أن إعادة ضم تركيا للموصل أمر قد يكون في الذاكرة، لكنه صعب المنال في ارض الواقع ، إلا أن التفاصيل التي تعقب التدخلات التركية المباشرة في الشمال العراقي، قد تؤدي الى تغييرات جغرافية ستكون في صالح النفوذ التركي كالتي يجري الحديث عنها وتنتهي بتقسيم العراق إلى فيديراليات وأقاليم، حيث يتحدث الاميركيون دائمًا عن إقامة إقليم سنّي في شمال العراق يكون تحت رعاية الأتراك وإقليم آخر للأكراد وثالث للشيعة.

وبحسب السياسيين والبرلمانيين العراقيين، فإن تحرير الموصل بمشاركة تركيا، سيكرس في الحد الأدنى، أدوارا ومحاصصات طائفية وإقليمية جديدة قد تؤدي إلى تقسيم العراق فعليًا.

amine.kamourieh@annahar.com.lb

 

هل هناك أزمة غذاء ومواد استهلاكية في السوق؟

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard