همجيّة الإنتحاريين وهمجيّة المُتحضّرين

21 أيلول 2016 | 21:05

المصدر: "النهار"

تحتاج الحلقة الثقافيّة أحيانا إلى ما يشعل نارها ويحرّك الساكن فيها، ليس طمعاً بالضوضاء وإنما طلباً لقدح شرارة أفكار يكون البعض منها مُفيدا والبعض الآخر أقلّ فائدة.
في بعض المناسبات تسمح لنا متابعة النقاشات مَحليّاً أو دوليّاً بأن نتذكّر ان الشكل الجدلّي لا يزال جزءاً من النظام العادي في مسار الحياة الثقافية والفكريّة، وانه قادر على تجريد بعض المنّظرين من أدواتهم المُسننة والقاتلة. هذا ما فعله على نحو ما نصُ عالم الإجتماع والفيلسوف إدغار موران في مجلة "لو ماغازين ليتيرير" الفرنسيّة ردّاً على مقال تمحور عليه وجاء بعنوان لئيم: "غَرقُ مثقّف".
جرى في المقال دسّ خُبث مُرّ بسبب كلام مقتضب كان أطلقه موران على موقع "تويتر" حول مفهوم الهمجيّة في عصر الحضارة الزائفة، فكان لافتاً أن يصل صاحب المقال موريس سزافران - وهو بالمناسبة المدير التحريري في المجلة – في جوابه عليه، إلى حدّ التصويب علانيّة على قابلية موران للإستمرار في دوره كمثقّف. ضرب سزافران بعرض الحائط رصيد موران الذي استحق بفضله لقب الفيلسوف كنتيجة تلقائية لتقرّبه من جميع الإختصاصات تقريباً والذي أصرّ في خضمه على نبذ الإستنتاجات الحاسمة معترضاً مثلاً على إدعاء متطرّف سوّقته بعض الأوساط ما بعد الحداثية في ما مضى، حول "موت الإنسان".
موران صوتٌ متمرّد حارب النازيّة وخرج من القوالب وثار على الإنتظام ضمن الحزب الشيوعي وناهض حرب الجزائر أيضاً وتبنّى جميع ثوراته الصغرى من دون تردّد. وحين سئل عن فكرة المقاومة وإذا كانت تعني أن يناقض المرء فكريّاً الجماعة التي ينتمي إليها أجاب انه مدفوع صوب إطاعة ما يسمّيه راهناً "التركيب" والذي يقوم على رؤية الجانبين المتناقضين لفعل واحد ونضال واحد.
جعلَت هذه الفروق الصغيرة موران ما هو عليه اليوم لكن هذه الفسحة التي تمسّك بها هي التي تجلب له اليوم، على ما يتراءى، المتاعب والتهم. بدأت القضيّة من تغريدة على موقع التواصل الإجتماعي "تويتر" إذاً حيث كتب موران "يَقتُل الهمجيون ومن دون تمييز من طريق الهجمات الإنتحارية، أما المُتحضّرون فيقتلون ومن دون تمييز، من طريق الصواريخ وطائرات بلا طيارين". أراد موران الإضاءة على ما يعاينه "هجميّتنا الذاتيّة" (أي همجيّة أبناء الحضارة) في تمرين إقراري لا يُتقنه آخرون فيستدرجون على نحو متسرّع وأرعن إلى استنباط نية جرميّة في تعليق مماثل ويرون فيه رغبة في تقديم همجيّة على سواها.
والحال ان موريس سزافران يتحايل في مقاله على المضمون الأساسي فيُلبسه ثوب الإثم، قسراً. يتّهم موران بالكثير راصدا عنده "همهمة فكريّة" و"تشوشاً إرادياً يخلط بين الجلاّدين والضحايا". يزيد ان إدغار موران هو المجنّد الجديد لخيارات الإسلاميين- اليساريين الذين صار دورهم العقائدي عتق "داعش" من طريق جدل غبي وآلي يبحث عن الذرائع الإجتماعية والتبريرات الثقافية.
يذهب كاتب المقال بعيداً في مرافعته ضد موران فلا يترك للفيلسوف في محاولة الدفاع عن نفسه سوى استقدام المنطق ضد الهستيريا المتأتية من الحروب المُستعرة. يظلّ موران محتفظاً بإيمانه بضرورة رؤية "الهمجيّة في كل حضارة ولاسيما في حضارتنا" مستعينا بمقاربة والتر بنجامين في هذا الصدد.
يتمسّك موران بالتفاؤل لكنه لا يخفي ريبته من زمن على قلق ومخاطر من شأنه أن يؤجج الهذيان من كل حدب وصوب. وربما كان من الأجدى لنا أن نصدّقه.

 

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard