نهاية التانغو

15 أيلول 2016 | 07:30

المصدر: "النهار"

حين يسعى بورخيس إلى استنطاق ماهيّة التانغو يكتب في أسلوب على مباشرة معطوفة على شيء من الحماسة الطافقة فنقرأ"عندما نُصغي إلى التانغو القديم ندرك انه وجد في ما مضى رجال مقدامون. يمنحنا التانغو ماضياً متصوّراً. ليست دراسة التانغو أمراً مفتقراً إلى الجدوى، ذلك انها توازي دراسة تقلّبات الروح المتشعبة".

جرى التشكيك ولسنوات خلت في الصلة القائمة بين الكاتب الأرجنتيني صاحب "الألف" بورخيس وبين التانغو، غير أن هذا النسق من المُقاربات الرؤوفة والشغوفة على السواء التي جاءت على لسان الكاتب شفوياً، وخلال إحدى المحاضرات، تحيل مباغتةً، على لقاء سعيد جمعه بهذا النوع من الفنون. والحال انه وخلال حديثه في منتصف الستينات من القرن المنصرم إلى مجموعة من الناس في بوينوس أيريس، فلش الكاتب معرفته العميقة بالتانغو الذي استحوذ عليه ذلك انه عدّه بوابة المرور إلى أحياء بوينوس أيريس الخفيضة والعنيفة. ولا بدّ لنا في هذا المنطق أن نشير إلى نصوص بورخيس التي اصطبغت بشيء من المناخ الخاص، نصوص نبذَت الحياد وحيث نفث الشخوص العنف من حولهم في سياق سرديّ مُشظّى يتراءى خارج الزمنين الأدبي والتاريخي على السواء.

اليوم تجتمع هذه المحاضرات أو هذه المحادثات على ما آثر تسميتها بورخيس تحت سقف كتاب بعنوان "التانغو. أربع محاضرات" يصدر بالقشتالية وحيث يلحق بورخيس بخيط التانغو التاريخي. والحال انه يفصل سيرته، كفنّ، إلى شقّين إنتهى أولاهما وفق مقاربته خلال الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين بعدما انزلق صوب "المُبكي والميلودرامي". يتحسّر بورخيس إذاً على التانغو الحداثي الذي جعله "ميالاً إلى الوهن والحزن".
المحاضرات الأربع غير منشورة قبل اليوم غير انها - وهنا المفارقة - غير مجهولة تماماً بعدما ذاعت تفاصيل حكاية ولادتها قبل فترة غير قليلة. نعلم ومنذ أعوام عدة الجزء الأول من الحكاية وكيف التقى الكاتب الراحل بعض متابعيه في "شارع الجنرال أورنوس 82" في العاصمة الأرجنتينية ليستحيل التانغو مفتاح النقاش. آنذاك راح يشرّح أصول هذا الفنّ وتطوره وتوسّعه في سياق تقصّيه كظاهرة ثقافية محلية. أما الجزء الثاني من الحكاية فيتعلّق بمهاجر إسباني يتحدّر من غاليسيا كان من بين أولئك الذين حضروا سلسلة محاضرات بورخيس هذه وعمد إلى تسجيلها قبل أن يودعها عند أحد أصدقائه الذي وهبها في 2002 إلى الكاتب برنانردو أتشاغا. في أعقاب تشكيك في أصله أثبت كاتب سيرة بورخيس، إدوين ويليامسون، ثم أرملته ماريا كودوما، نسَب هذا الكلام المتلوّ.

في موازاة مرور ثلاثين عاماً على رحيل بورخيس، ها هي أربع محاضرات غير منشورة تبصر النور في إسبانيا حيث المحتفي هو نص خورخي لويس بورخيس الإستثنائي والمحتفى بها ثلة فسيحة من المسائل عنَته والتي تبدأ بالتانغو ولا تنتهي بالأرجنتينيين ومعارف الكاتب الأقربين والأبعدين على السواء.

ها هو كتاب يستعيد مضمون محاضرات بورخيس الأربع ويتضمّن رابطاً إلى موقع إلكتروني يسترجع بورخيس المتبصر والمازح في حيويته. حين نصل إلى هذه العتبة، يمكن الإصغاء إلى تلك نبرة العالية الخاصة، إلى ذلك الصوت المتدفّق الذي استسهل تقطيع الجمل كما يفعل الأطفال المستعجلون.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard