صخب وسمفونية غير منضبطة في أضحى طرابلس

12 أيلول 2016 | 11:00

المصدر: طرابلس – "النهار"

  • رولا حميد
  • المصدر: طرابلس – "النهار"

لعيد الأضحى 2016 مذاق خاص في مدينة طرابلس، فهو مناسبة روحانية يمتزج فيها الإيمان بالرغبة بالفرح، والانطلاق. وقد عبر الطرابلسيون على طريقتهم الخاصة باستقبال العيد، فاندفعوا إلى الأسواق يبتاعون ما تيسر من المفرح من ثياب وحلوى.
زينت بعض الشوارع، في شارع عزمي بجهد التجار، وعلى نفقتهم، ومستديرة النور بجهد البلدية الجديدة. ووسط بولفار طريق بيروت بقبب المساجد المتشكلة من حبال مضيئة، يعلوها الهلال. وعند بعض المستديرات، ووسطيات الشوارع، ركزت أشكال من الخواريف، رمز الأضحية، وصور الأولاد يهتفون للعيد، ويرحبون به.
تحول قلب المدينة بغرابة غير معهودة إلى لوحة سوريالية ليس من السهل فكفكة طلاسمها. فمن بولفار المدينة الذي يفصلها قسمان، وباتجاه القسم الشرقي- المدينة القديمة، لا يعرف ماذا يعني المشهد السائد، وكيف أمكن الوصول إليه، وبالتأكيد من غير قصد. كأن المحلات التجارية بكافة أصنافها قد انفجرت، وتوزعت بضاعتها على الطرقات، والبيوت نزل سكانها إلى السوق، ومخيمات النازحين السوريين فتحت على مصراعيها، والكل، من باعة، وتجار، وزبائن، مع البضاعة المختلفة الأصناف، والمتداخلة البسطات، المتماهية مع واجهات المحال التجارية، تخالطوا في حركة بكافة الاتجاهات، والمقاصد.
من التجار، واصحاب البسطات، من يشكو من قلة البيع رغم هذا الصخب، وضجيج الشوارع تختلط فيه النداءات على البضائع، ومكبرات الصوت تطلق الابتهالات الدينية الخاصة بالعيد، وأبواق السيارات لا تتوقف عن النداء لراكب، أو لفتح الطريق، وخشخشة الباعة التراثيين، وقرقعة فناجين القهوة تملأ الأجواء. سمفونية عفوية غير منضبطة الإيقاع طغت في شوارع المدينة اليوم.
بائع أحذية قرب سينما روكسي سابقا، اضفى على بسطته اسم السينما، قال: "لا يمكن التأمل بعام أفضل من سابقه. كنا نبيع الحذاء بعشرين ألف ليرة لبنانية، واليوم نبيع زوج الأحذية بخمسة وعشرين ألفا. لا نعرف ماذا يحدث، ولماذا المتسوقون مفقودون رغم الازدحام".
وبالتقدم باتجاه التل، تطالع الزائر ساحته الشهيرة التي شهدت تجاذبات لتحويلها إلى مرأب للسيارات، بينما آخرون يريدون إعادة بناء السراي العثماني عليها. لكن الساحة، وفي غفلة التغيرات البلدية، خذلت الجميع، فلا مرأب ولا سرايا، بعد أن تحولت بسحر ساحر إلى بسطة واحدة مكونة من عشرات البسطات المتلاصقة، ولكل بسطة عرض بضاعة خاص ومختلف. هنا الأدوات الكهربائية، ثم التراثيات من الشمعدان إلى المكواة، فالثياب، والأحذية، و"الفو بيجو" المتلألئ تحت أنوار الشمس الساطعة، وكل ما يمكن أن تنزفه الذاكرة.
وصولا إلى مقهى فهيم الشهير بتحويل سوره إلى بسطة للجرائد منذ الستينات، حيث اعتاد أن يتحلق قبالتها هواة مطالعة العناوين، لكن الجرائد غاصت في بحر من البسطات الأخرى المزدانة بالتين والعنب، ولفافات ورق العنب الجاهزة، والحلوى، والثياب، وكل ما يمكن تخيله.
أعمق باتجاه سوق التل حيث أكثر محلات حلويات الحلاب شهرة وقدما، والجاري حوله لا يمكن إيجاد وصف له، من حركة زائدة عن المعتاد، وبسطات كل شيء، ونداءات المنافسة على البضاعة.
يروي احد التجار أن الطاغي هذا العام، بيع الـ"وان دولار" (One Dollar)، وبينما كان هناك مخزن واحد لهذا الصنف من البضاعة سابقا، صار هناك اكثر من 25 مخزنا منه. ويقدر التاجر الذي لا يريد ذكر اسمه بلا مبرر واضح، أن عدد باعة الـ"وان دولار" زادوا على المائة وخمسين، مما انعكس على حركة التجار ومحلاتهم".
إلا أن هناك من ينافس الـ"وان دولار" بمكبر للصوت يردد بتكرار رتيب وكأنه تسجيل صوتي: "لا للـ"وان دولار"... نعم للـ"وان ليرة"، ويبدو أنه يبيع بضاعته بألف ليرة لكل قطعة من المنوعات.
المحلات في شارع التل تزدحم بالزبائن، وفي محل "فيا- رامي" لصاحبه رامي مولوي، "يشكر من حسن الحركة، ونشاطها"، وهو لا يتوقف عن التحادث مع الزبائن، وبيعهم ما أرادوا.
بسطات بالجملة تغطي واجهات المحلات، عليها كل الأصناف بأعداد لامتناهية، تمتد متواصلة في الانعطافة المؤدية إلى ساحة السراي العتيقة، دواليب الهواء ترفرف بأجنحتها على البسطات، وقربها ازدحام شديد على بائع الخروب الذي يؤمن ارتواء العطاش في قيظ الحر اللهاب، مع بعض تحلية، لكوب بخمسماية ليرة. عنده تنسد الطريق، ويسجن المرء بالعابرين، والمتوقفين عند الخروبي.
باتجاه السوق العريض، تتناثر البسطات يمنة ويسرة، وكيفما اتفق، وتزاحم المحلات التجارية، فترفع إحداها لافتة على بسطة للسروالات والجاكيتات "عرض خاص الواحدة بخمسة عشر ألف ليرة فقط"، فيرد صاحب محل تجاري عليها: "خمسة آلاف فقط لأي بلوزة".
ويختلط حابل الباعة بنابل المتسوقين، فلا يُعرف هذا من ذلك، وتتزاحم البضائع: ساعات يد، وفوبيجو، وثياب، وأحذية، ونظارات شمسية، وحلويات ضيافة. ليس ممنوعا دخول أي صنف على السوق، ولا أي بائع، ولا أية ممارسة تجارية. كل الأمور مسموحة، ولا شيء يعكر صفو السوق رغم ازدحامه المطلق، الذي لا يمكن له وصف.
لا يقتصر الامر على التسوق للعيد، فهناك من يستعدون لاستقبال الحجاج بعد عودتهم من الديار المقدسة وذلك من خلال شراء السبحات وسجادات الصلاة والحناء والاثواب وأكسسوارات الاطفال والتمور واصناف عديدة يوزعها الحجاج على مهنئيهم بعد أدائهم فريضة الحج. وقد جرت العادة تزيين مداخل البيوت حتى حارات الحجاج بيافطات الترحيب وبالانوار من مختلف الالوان وغيرها من انواع الزينة الخاصة بالحج والحجاج.
وهكذا تداخلت الاستعدادات لاستقبال عيد الاضحى المبارك مع الاستعدادات لاستقبال ضيوف الرحمن في مدينة تحرص على تعظيم الشعائر الدينية والاحتفاء بها على اكمل وجه.
أمر واحد يؤكده السوق الطرابلسي في عيد الأضحى هذا العام أن لا لزوم للسلطة طالما الجمهور قادر أن يعيش على هواه، دون عقبات.
من مترافقات العيد، بعض الأنشطة التي تقدم الترفيه للأطفال، فوفق ملصق من "ميني- مي وورلد" أبواب مفتوحة للأطفال للرسم على الوجه، والتهريج، والكرتون، والألعاب، والمسابقات، والهدايا وعروض الترفيه المختلفة. ولا تغيب الأراجيح عن الساحة الطرابلسية، لكن لم يبق لها مكانها المعتاد على التل، فتحولت إلى مدن الملاهي في الميناء.
ومن بادرات الأضحى، "حملة كسوة عيد الاضحى المبارك" لهذا العام تحت شعار "فكر بأهلك وسوق على مهلك"، حيث قامت "جمعية عبد الله حازم درويش" بتوزيع المئات من البطاقات التي تخول اصحابها الحصول على الثياب مجانا من قاعة خصصت لذلك في مسجد الرحمن في منطقة الضمّ والفرز، والتي لا يرجو منها منفذها حازم درويش سوى الدعاء لنجله المغفور له عبد الله، ولفت نظر الشبان الى ضرورة قيادة سياراتهم بشكل هادئ حتى لا يروع اهلهم بهم، ولعدم التهور اثناء القيادة، وذلك وفق بيان من الجمعية.
العديد من الجمعيات دعت إلى التضحية للمحتاجين، عبر نشطائها، وواحدة خصت فلسطين بالدعوة.
وقد جابت فرق الإيقاع وقرع الطبول في جمعية كشاف المسلم وقطار الالعاب وعربات الخيول شوارع المدينة، وفي ابي سمراء جابت مسيرة كشفية نظمتها جمعية كشافة الايمان ابتهاجا بالعيد.



















إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard