"المرأة التي غادرت" للاف دياز الفائز بـ"أسد" البندقية: درس إنساني وسينمائي!

11 أيلول 2016 | 22:10

المصدر: "النهار"

لاف دياز: كثر لم يسمعوا بهذا الاسم قط في مطلع هذه السنة عندما فاز في الـ"برليناله" بجائزة ألفرد باور ("دب فضة")، عن فيلمه "أنشوده اللغز الحزين" ذي الساعات الثماني. فالمخرج الفيليبيني عمل منذ سنوات في بلاده بامكانات بالغة في البساطة ومحدودة، قبل أن تستميله المهرجانات الدولية، كانّ أولاً ثم لوكارنو فبرلين، والآن #البندقية، حيث نال مساء السبت "الأسد الذهب" عن تحفته "المرأة التي غادرت"، وهي ملحمة سياسية واجتماعية أخلاقية مدتها ٢٢٤ دقيقة، مصوَّرة بالأسود والأبيض وتدرجاتهما. فيلم باهر من الجنريك إلى الجنريك، نشعر فيه بروحية المكان ووطأة الزمن، حيث كلّ وحدة تصويرية تنطوي على كم هائل من السينما الكبيرة. لاف دياز يأتينا متأبّطاً درساً مزدوجاً في السينما والإنسانية! الدرس الأول عن كيفية صناعة فيلم ببساطة نموذجية خارج كلّ التوقعات الفنية والاقتصادية والسياسية، والثاني يتجسّد في خطاب يرفض الانزلاق إلى أحضان العنف والشر. ليس لدى الشخصية التي يقترحها دياز ما تخسره، مع ذلك فالإذعان للعنف لحلّ مشكلتها وإعادة الاعتبار لنفسها، لن يكون أول خياراتها، بل سيبتعد عنها هذا الاحتمال كلما اقتربت منه. هذا هو الخطاب الذي يسمو به الفيلم، وهو خطاب إنساني ملحّ، خصوصاً في زمننا هذا. وقبل أيّ شيء آخر، يؤكد لنا أنه ليس ثمة موضوع قديم أو جديد، بل نظرة قديمة ونظرة جديدة.
بسيطة الحكاية التي يستند إليها "المرأة التي غادرت"، حدّ أنّه أمكن اختزالها في فيلم من ساعة ونصف الساعة، ولكن دياز ليس من أنصار السينما المنتشرة بكثرة والهادفة إلى منح المُشاهد معلومات بأشكال عصرية ولغة بصرية مغرية. فدياز، عندما يقرر التصوير ويضع كاميراه في هذا المكان دقائق طويلة، إنما يبحث عن أسلوبية معيّنة ويلقي وجهة نظر ذات شأن على الواقع الفيليبيني، محاولاً محاصرته مكانياً وزميناً. وهذا ما يحصل تحديداً عندما يُمسك بحكاية هوراسيا (كارو سانتوس)، مدرّسة خمسينية أمضت سنواتها الثلاثين الأخيرة في معتقل بسبب جريمة لم ترتكبها، وعندما تخرج إلى الحرية، تصمّم على الانتقام من الرجل الثري الذي كانت على علاقة به وتسبّب بسجنها بعدما اتُهمت بجريمة قتل. عبر حكايتها، يقحمنا دياز في الواقع الاجتماعي للفيليبين. نرافقها من مكان الى آخر، لنتعرف إلى شخصيات ثانوية وعلى تلك اللوحة الخلفية التي تسند خطاب الفيلم السياسي المضمر. فالأحداث تبدأ العام ١٩٩٧، وفق النشرة الإخبارية التي تُذاع في الراديو، وما نسمعه خلالها عن عودة هونغ كونغ الى الصين بعد ١٥٦ سنة من الاستعمار البريطاني، يعكس هواجس دياز عن الكولونيالية في بلاده وأثاراها النفسية والاجتماعية التي ألقت بظلالها على أفلامه الماضية. شخصية هوراسيا هنا شاهدة على الفقر والفساد والجهل والإهمال الذي تعانيه البلاد على مرأى الله ومسمعه (دياز استوحى من قصة قصيرة لتولستوي اسمها "الله يرى الحقيقة ولكنه يتمهّل")، فالفيليبين، أقله البقعة التي يصوّرها، بيئة متديّنة يُستخدم فيها الدين أحياناً كغطاء لانتهاكات فاضحة، فحتى المجرمون والشياطين يحجزون لهم مكاناً كلّ أحد في الكنيسة / الجنة للتكفير عن ذنوبهم.
في هكذا جو، تعود هوراسيا في محاولة لتجميع كل ما تفتت في حياتها التي ذهبت أدراج الرياح، وبناء الخير من حولها، عبر قراءة قصص لأطفال مشرّدين ومساعدة آخرين مالياً. تلتقي طريقها بطريق شخصيات غرائبية هي في الحقيقة صلة الفيلم بالواقع المستجد الذي تغيّر كثيراً خلال وجودها داخل السجن، إلى درجة أنّ هوراسيا أصبحت غريبة في أرضها، لا تجد نفسها في شيء، بل ميتة مع وقف التنفيذ. وكم مؤثر انبعاثها بعد ثلاثة عقود لترى أنّ زوجها غادر هذا العالم وابنتها راحت لتعيش في مكان آخر، وابنها اختفى وقد يكون مخطوفاً في مانيلا.
هوراسيا شخصية متغيّرة تجسّد ضمير المخرج نفسه، تكاد تصبح بلا وجه، لا تعرفها وهي خارجة من داخل عتمة الليل واضعة قبعتها على رأسها لتلتقي في شكل متكرر حيناً ببائع بيض وحيناً بعاملة جنس متحوّلة أو تلك الفتاة المخبولة التي تأخدها الى زيارة كنيسة يقصدها الشخص الذي تريد الانتقام منه، في واحد من أظرف المَشاهد. معظم حوادث الفيلم ليلية، وغالباً لا نرى تفاصيل الوجوه أمام الشاشة بدقّة، بيد أنّ التكرار الذي يقترحه نصّ دياز هنا يُذكّر ببعض أفلام جيم جارموش. مدهش أن نرى ولادة الأمل من بيئة مسدودة الأفق، وأنّ ثنائية الانتقام / العفو ليست أبسط إشكالية على سطح الأرض، والسلام مع الذات قد لا يتحقق أبداً. أجمل ما في دياز وأفلامه هو أنه يُبقي على الكثير من الإنسانية عند شخصياته وهو يضعها في مواقف قاسية وحرجة ومعضلات أخلاقية لا تُحسَد عليها.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard