البندقية ٧٣ - "جنة" كونتشالوفسكي جحيم!

10 أيلول 2016 | 00:24

المصدر: النهار

بالأسود والأبيض وبحجم صورة مربّعة على غرار بعض أفلام الأربعينات، قدّم الروسي أندره كونتشالوفسكي مساء الخميس فيلماً كبيراً عن الحرب والمآسي ومعسكرات الاعتقال والعقيدة النازية، في لحظة مهيبة حملت معها مخزوناً من الإنسانية في #مهرجان_البندقية الذي تُختتم دورته الثالثة والسبعين اليوم السبت بتسليم جائزة "الأسد الذهب" إلى الفائز. وكونتشالوفسكي البالغ من العمر ٧٩ عاماً أحد أبرز المرشحين لها، علماً أنه يزور الليدو منذ خمسين عاماً وسبق أن نال فيها جائزتين.

كنّا ذكرنا أنّ الـ"موسترا" هذه السنة، وكما بات دارجاً في السنوات الأخيرة، ملتقى لغات، وها إنّ مخرجاً آخر هو كونتشالوفسكي يصوّر بغير لغته الأم، أي بالفرنسية والألمانية وبعض الروسية. فالكلّ يتحدّث بلغته في جديده "جنة"، حرصاً على الصدقية السينمائية والحقيقة التاريخية التي بقي مخرج "عشاق ماريا" أقرب ما يمكن إليها.

يروي "جنة" كيف التقت أقدار ثلاث شخصيات خلال الحرب العالمية الثانية: أولغا (جوليا فيسوتسكايا) وهي روسية من عائلة نبلاء انخرطت في المقاومة الفرنسية؛ وجول (فيليب دوكين)، متعاون فرنسي مع النازيين؛ وهلموت، ضابط نازي رفيع المستوى يتحدّر من عائلة أريستوقراطية.

تبدأ الحكاية العام ١٩٤٢ مع القبض على أولغا وسجنها بتهمة إيواء أطفال يهود في مسكنها، خشية أن يرسلهم النازيون إلى المعتقل، وتنتهي في المعتقل مع أولغا أيضاً. ولكنّ الفارق شاسع ما بين لقائنا الأول بها ولقائنا الأخير. في فرنسا، يستدرجها المتعاون جول فتعرض عليه خدمة جنسية، إلا أنّ المقاومة الفرنسية تغتاله قبل أن يحين موعد "التفاهم" بينهما. الأحداث المتلاحقة ستوصل أولغا إلى معسكر الاعتقال حيث تلتقي بالضابط هلموت الذي احتكّ بها ذات مرة. الضابط هذا مخلص أشد أنواع الإخلاص للمشروع النازي الذي يرى فيه تجسيداً للفردوس على الأرض. في حين بدأت النازية تلفظ أنفاسها الأخيرة، تُسند لهلموت مهمة جديدة هي كشف الفساد في المعتقلات. وعندما يكتشف وجود أولغا في المعتقل، يتقرّب منها مجدداً في محاولة لتهريبها... ولكن، أيتغلّب الحبّ على العقيدة؟
بدايةً، يجب التشديد أنّ هذا ليس فيلماً آخر عن الهولوكوست. صحيح أنّ ثمة تفاصيل عنها في آخر الفصول، ولكن الفيلم يوظّفها في إطار خطابه الشامل الذي يطال طرحاً عالمياً. في المؤتمر الصحافي، أعلن كونتشالوفسكي أنه أراد الانفصال عن موضوع المحرقة ليتحدّث عن الطبيعة البشرية والشرّ اللذين ينتميان إلى كلّ الأزمنة وليسا حكراً على ما جرى لليهود. وما أفضل طريقة للانفصال عن الشيء سوى الاقتراب منه أكثر؟
مفاجأة الفيلم هي في النحو الذي يرسم فيه السيناريو صورة النازي هلموت، وهي صورة قد يجدها البعض إشكالية، كونها حمّالة أوجه. اعتدنا في السينما (حتى الذكية منها)، صورة نمطية باهتة للنازي، وهي لم تسقط مع مرور الزمن، ولم تختلف كثيراً بين فيلم وآخر. فالنازي مثلاً يتم التعبير عن بذور الشرّ لديه عبر إظهاره شخصاً غير رحوم مع الحيوانات، يُسيء معاملة قطّ، إلخ. الحكاية هنا مختلفة تماماً. فهلموت شاب رقيق، مرهف الحسّ، يستمع إلى برامس ويقرأ تولستوي، يبعث برسائل إلى فتاة التقى بها فهتف قلبه لها. هلموت ليس الوحش المنتظر، إلا أنّ الأفكار النازية نخرت عظامه. وهي أفكار سيعترف لاحقاً بزيفها وعارها. عبر تبني هذه المقاربة، يأتي كونتشالوفسكي بفكرة مهمة هي أنّ الشر يتحقّق أحياناً من أجل بلوغ الخير، أي أنّ فاعل الشر يعتقد أنه يقوم بعمل إيجابي من أجل الإنسانية، ثم عند الحشرة يقول أنه ليس عليه أن يبرّر خياراته.
يوزّع السيناريو الفيلم على حصتين. مقابل التطوّرات الدرامية، ثمة أيضاً المقابلات مع الشخصيات الثلاث التي تدور عليها الحكاية برمّتها. المقابلات هي أشبه باعترافات وتعليقات على الخيارات التي اتخذتها الشخصيات، مصوَّرة بنسيج بصري مختلف (حبوب وقفزات مونتاجية، إلخ) عن نسيج الحكاية الأساسية. يحتاج المُشاهد إلى بعض الوقت ليستوعب كيف أن جول الذي قُتل أمامنا في بداية الفيلم لا يزال يعلّق على أحداث تخطّت تلك المرحلة منه، قبل أن يدرك ماهية الفكرة: فهؤلاء الثلاثة يخاطبوننا من الجنة!

مُشاهدة "جنة" تجربة قاسية تتطوّر لتكون رقيقة في أحايين كثيرة، ولكن ثمة إخراجاً صارماً يولي الاهتمام للتعبير الوجهي، وتقطيعاً مكثفاً وحركات كاميرا مدروسة وميلاً خفيفاً قد يزعج البعض للميلودراما. إلا أنّ كلّ شيء منضبط نصّاً وتمثيلاً وتصويراً، لدرجة أنّ كونتشالوفسكي يسمح لنفسه بالهروب إلى خارج دائرة العنف في مَشاهد نوستالجية باهرة، بهدف توليد صورة شعرية تكتفي بذاتها، كتلك اللقطة في آخر الفيلم، حيث نرى هلموت في مكتبه يدخّن سيجاره وينفخ في الهواء، فيما العالم ينهار في الخارج. من اللحظات المثقلة درامياً التي يكسرها الصمت والعزلة والحيرة والضياع، يستمّد الفيلم روعته السينمائية. "جنة" بعنوانه اللمّاح، فيلم ينزلنا في الجحيم والبؤس واليأس، حيث مصير واحد في انتظار الجميع أكانوا صانعي حياة أم صانعي مأساة أم بين بين. إنها ورطة الحياة، وورطة العيش في زمن الأفكار القاتلة. ولا فكاك عن هذه الورطة إلا بالموت.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard