البندقية ٧٣ - "سفاري" لأولريش زيدل: اقتل ما تشاء الدنيا أذواق!

8 أيلول 2016 | 23:04

المصدر: النهار

الدخول إلى فيلم أولريش زيدل، "سفاري"، لم يكن كالخروج منه. عددٌ منا كان ينتظر بعض السخرية القارصة كالعادة، من العِرق الذي ينتمي إليه هذا المخرج النمسوي القدير: البيض الأوروبيون الذين يضجرون في رفاهيتهم. إلا أنّ السخرية لم تكن بالحجم الذي توقعناه مع اتخاذ مخرج ثلاثية "جنة" منحى جديداً، ويمكن القول إنّ هذا المنحى أكثر جدّية هذه المرة. بحثتُ طويلاً بين طيات الفيلم عما يضمره زيدل، وإنما كلّ شيء كان واضحاً ومعلناً وصريحاً. الأمر الذي ضعّف قليلاً حجته السينمائية.

بعد السياحة الجنسية التي تمارسها نمسويات في افريقيا، يتطرّق زيدل في جديده المعروض خارج المسابقة في #مهرجان_البندقية (٣١ آب - ١٠ أيلول) إلى الصيد في ناميبيا (جمهورية في جنوب غرب افريقيا). هؤلاء الألمان والنمسويون الذين يقصدون القارة السمراء بهدف صيد الحيوانات البرية واستعمال الفرو والجلد وتحنيط الرؤوس، بعدما ينتقونها في كاتالوغ. حيوانات تصبح زينة لجدران منازلهم. الفيلم سلسلة من المقابلات مع صيادين من الأعمار كافة. إلى جانبها، ثمة مَشاهد يلتقطها زيدل لنشاطهم الدموي. بدلاً من التركيز على الفريسة، تقف الكاميرا في الخطّ الخلفي، أي خلف الصياد، منتظرة لحظة خروج الرصاصة من البندقية المصوبة بدقّة في اتجاه الحيوان، ملتقطة الفرح الذي يثيره سقوطه. الآلية نفسها معتمدة دائماً: لا نرى إلا الفعل، لا ردّ الفعل الذي يأتي بعد لحظة. ثم يمضي الصيادون في البحث عن فريستهم التي سقطت على بُعد أمتار من موقع الجريمة. هؤلاء الذين يعاملهم السكان المحليون كالأسياد، لا يكتفون بهذه الأفعال المشينة، بل يلتقطون الصور مع الحيوانات المرمية أرضاً وعلى وجوههم ابتسامات فخر عريضة.
في محاولة زائفة لفهم هذه السياحة الوحشية ومبرراتها ومردودها النفسي والمعنوي، يتأمّل زيدل ببرودة الظاهرة السقيمة. فالمبررات التي يأتي بها الصيادون تراوح ما بين المثير للشفقة والمضحك. أحدهم يدّعي أنّ الصيد هو لمصلحة الحيوانات - على سبيل المثال. في مشهد آخر، يسأل زيدل عن هوية الحيوان الذي يرغب كلّ صياد في قتله. "أسد، فيل..."، تتوالى الأجوبة. الدنيا أذواق. إلى ذلك، لا ينسى الفيلم الظروف التي يعيشها سكان ناميبيا الفقراء المنبوذين من الجهات الرسمية، وهي ظروف تبرر تعاملهم مع السياح مقابل فتافيت ينالونها منهم.

الفيلم امتداد لآخر أعمال زيدل، "في القبو" (٢٠١٤)، الذي صوّر النشاطات التي يقوم بها النمسويون في أقبيتهم. كالعادة، أحدٌ لا يستطيع التأكيد أنّ ما نراه ينتمي الى الروائي أو الوثائقي. ما لم يتغيّر عند زيدل، والأرجح لن يتغير البتة، هو نظرته الباردة شبه الآلية إلى الإنسان، فهو يطرح هنا عادية الشرّ، لا اكثر ولا أقل. ولو كانت البنادق مصوبة في اتجاه البشر، لما تغير شيء في النحو السلبي الذي يقف به خلف الكاميرا. فالأشياء عنده "مادة فيلمية" يلتقطها بلا عواطف. من فيلم عن هواية غير متحضرة، يتحول "سفاري" إلى مرافعة مقلقة محورها الطبيعة الآدمية، وأحياناً الى كاريكاتور للكولونيالية في زمن الهواتف المحمولة!

 

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard