البندقية ٧٣ - "جاكي": بابلو لاراين يقول "لا" للسيرة التقليدية!

8 أيلول 2016 | 12:21

كانت جاكلين في الرابعة والثلاثين عندما اغتيل زوجها جون كينيدي، رئيس الولايات المتحدة. مقتله بين يديها أصابها بتروما. الأزمة هذه فتحت جرحاً عميقاً في وجدان واحدة من أشهر السيدات (١٩٢٩ - ١٩٩٤) المرتبطات بالتاريخ الأميركي الحديث، وأفضت بها إلى مساءلة نفسها ومراجعة إيمانها. فيلم السيرة "جاكي" لبابلو لاراين الذي يتسابق على "الأسد الذهب" في #مهرجان_البندقية (٣١ آب - ١٠ أيلول) يشرح تفاصيل هذه التروما، وتفاصيل نضالها للصمود في وجه التغييرات السريعة، ومحاولة حماية "إرث" زوجها من الاندثار وسط انتهازيي "البيت الأبيض". فآلة السياسة لا تكفّ عن الدوران ولا ترحم حتى في أحلك الظروف.

 

 

يقع الفيلم في الخطّ الفاصل بين الشخصي والعام. مقاربة المخرج التشيلياني حميمية تقدّم صورتين عن السيدة الأولى، واحدة تتمسّك بها في اطلالاتها التلفزيونية، وأخرى شخصية نكتشفها في هذا الفيلم المتقن الصنع. ناتالي بورتمان هي التي تجسّد دور جاكي. الشبه بينهما صادم. ولكن الممثلة الكبيرة لا تكتفي بالشبه ولا المظهر الخارجي، فتمثيلها يستند في شكل أساسٍ على اللعب على أوتار الصوت والتحوّلات الداخيلة، لتطل بهيئة سيدة لم تكن دائماً قديسة، ومن الآن يمكن تخيّل ماذا يعني قول "لم تكن قديسة"! فالفيلم لا يقدّمها أيقونة، بل يعرّيها من الداخل لنراها على حقيقتها ونلمس شعورها ونرافق براغماتيتها في تجاوز المحنة.

في الفيلم الأول له باللغة الإنكليزية، يقول لاراين "لا" كبيرة للسهولة. فالنصّ الذي وضعه نوا أوبنهايم للفيلم متشعّب يأتي على شكل طبقات متعدّدة، كلّ طبقة منها تُخفي ما تخفيه. تتطور فيه ثلاثة خيوط متوازية: الصحافي (بيلي كرودوب) الذي يحاور جاكي بعد مقتل زوجها في بيت العائلة بماساشوستس؛ استعادة الساعات القليلة التي تلت الاغتيال؛ اجراءات مراسم الدفن. سننتقل بين هذه الأجنحة الثلاثة، لنعايش - على غرار الفيلم الذي تتركّب أجزاؤه أمامنا - سيدة تحاول لملمة نفسها بعد حادثة مأسوية والتوفيق بين نظرة العالم إلى الاغتيال ونظرتها "هي" إليه، انطلاقاً من مقاربتها الشخصية للمسائل العملية. نتابع معها في الأيام القليلة التي تلت الاغتيال تطلعاتها إلى الحاضر والمستقبل، من دون أدنى حسّ ميلودرامي خبيث أو رغبة في استدرار التضامن. هنا قوة الفيلم الذي تحمله بورتمان في بؤبؤ عينيها، وتساعده في الارتقاء نحو خيارات جمالية مثل اللقطات القريبة أو الموسيقى التصويرية البديعة لميكا ليفي التي تضخ في الفيلم الجرعة المطلوبة من التوتر كقوة ضاغطة على صدور الشخصيات المصدومة من هول الحادثة.

يبرع "جاكي" في نقل النحو الذي يتم فيه التعبير عن الأحاسيس كافة: الخوف، الأسى، الحيرة. حتى عندما ترتسم ابتسامة صغيرة على وجه جاكي، فهذه تنم عن رغبة في ملامسة جوهر الحياة. ثمة مشهد بديع: عندما تبدأ جاكي في نزع ملابسها الملطخة بالدم، ثم نراها تحت الدوش. هذه الحميمية يبلغها الفيلم لقطة بعد لقطة، نتيجة اصرار كاتب النصّ والمخرج والممثلة في عدم الالتصاق الباهت بدقة التجسيد، بل في ايجاد حلول خيالية بديلة. وثمة تفاصيل أحدٌ لا يعرفها لحسن حظ مخيلة صناع الفيلم الذين سدّوا كلّ الثغر. في النهاية، نخرج من الفيلم من دون أن نعرف مَن كانت فعلاً هذه المرأة، إذ يتبين أنّ كلّ ما قالته يعزّز غموضها أكثر ويبدد التصنفيات الجاهزة، وهنا سحر "جاكي" لأنه يبلور جانبها الغامض بدلاً من أن يكشف كلّ أوراقها.

في أيّ حال، كانت جاكي سيدة ذات وجوه متعددة، تنزع قناعاً لتضع قناعاً آخر، لكن صريحة ومتصالحة مع نفسها. هناك أيضاً في الفيلم نقدٌ عابر لهوس الأميركيين بالاستعراض والـ"شوبيز". صحيح أنّ الفيلم عن موضوع سقيم كالقتل، إلا أنّ الكثير من مفرداته من عالم الاستعراض، حتى الاغتيال نفسه، وصولاً إلى المأتم، مروراً بالمقابلة الصحافية التي تحاول صناعة صورة جديدة لجاكي بناء على توصيات منها، واستناداً إلى هوس "القصة" ("ستوري") في الصحافة الأنغلوساكسونية.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard