البندقية ٧٣ - "رحلة الزمن": ماليك في منتصف الطريق بين الله والعِلم!

7 أيلول 2016 | 23:17

المصدر: النهار

"رحلة الزمن" من الأفلام التي كانت منتظرة جداً في #مهرجان_البندقية (٣١ آب - ١٠ أيلول) هذه السنة (معروض ضمن المسابقة). بدأ الطابور أمام صالة "دارسينا" بالتشكّل في حدود الساعة السادسة ونصف، أي قبل ساعة من موعد عرضه. عندما أُطفئت الأضواء وانطلقت رحلتنا مع الزمن، كانت الصالة مكتظة، فبدا الأمر أشبه بقداس سينمائي. مرة أخرى، غاب ماليك عن المهرجان، فهو يرفض الظهور الإعلامي منذ السبعينات. عندما أنجز ثاني أفلامه، "أيام الجنة" (١٩٧٨)، لم يُجرِ إلا مقابلة واحدة وحيدة مع صحيفة "لو موند". المؤتمر الصحافي لـ"رحلة الزمن" شارك فيه إثنان: منتجا الفيلم. "كوبريك كان استعرائياً مقارنة به"، قال لي الناقد الفرنسي ميشال سيمان، ونحن ننتظر معاً في الطابور. فعلاً، كوبريك، المذكور سينيفيلياً في "رحلة الزمن"، كان اجتماعياً قياساً بالناسك ماليك.

مخرج "شجرة الحياة" الذي لم يأتِ لتسلّم "سعفته" في كانّ العام ٢٠١١، صاحب طموح سينمائي ضخم ينطوي على هوس ميتافيزيقي وفلسفة ومساءلة المجهول. هذا الطموح المتعاظم فيلماً بعد فيلم (معانقة الكون ومخلوقاته) أبعده قليلاً من هموم الجمهور العريض وسرّع إيقاع عمله (أربعة أفلام في آخر خمس سنوات). النسخة التي عُرضت مساء الثلثاء في البندقية هي كاملة تبلغ مدتها ٩٠ دقيقة، في حين تلك التي ستُعرض في مهرجان تورونتو ولاحقاً في الصالات التجارية بفورما الـ"آي ماكس" مدتها ٤٥ دقيقة فقط لا غير. الأولى تعليق صوتي لكايت بلانشيت والثانية بصوت براد بت. نعم، هناك "فويس أوفر" في الفيلم، فماليك لا يزال وفياً لأشيائه التي صارت علامة مسجلة.

خلافاً لما يوحي به العنوان والصفة التي ينضوي تحتها الفيلم (وثائقي عن سيرة الإنسانية منذ الانفجار العظيم إلى زمننا الحديث)، يبقى عمل ماليك مبهماً يغيب فيه أي شرح. سيلٌ من الصور المدهشة يتدفّق أمامنا، بعضها التُقط حقيقةً وبعضها الآخر مشغولٌ افتراضياً. إلا أنّ التداخل بينهما يُحدث شرارة نادرة. أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الواقع الافتراضي، لا يهم! المهم أنّ ماليك يأخدنا إلى رحلة للتأكيد على شكوكه وإيمانه المغاير ولحظات هروبه إلى السماء والأسئلة التي لا يملك لها أجوبة. "مَن أنتِ، مانحة الحياة؟"، تسأل بلانشيت في أحد المَشاهد، محولةً رحلتنا إلى صلاة صامتة.
يتمهّل الفيلم كثيراً عند الثروة المائية، في مشوار طويل مع سكان البحار. روعة المَشاهد المائية والبرية والجوية تسحق القلب. يأتي التعليق الصوتي الشاعري على شكل لازمة ليضللنا كثيراً، فهو يحكي عملياً حكاية مختلفة عن تلك التي تقوله الصور. التعليق يخاطب الطبيعة الأم، يمجّد أزليتها، يحيي عطاء بلا مقابل. فيما الصور أكثر انغماساً في الأرض، الهواء، العناصر الطبيعية التي يتشرّب منها. لوحة تجريدية لتكوين الحياة، ما جاءنا به ماليك. أنشودة تحتفي بالوجود كسرّ من الأسرار. فبدلاً من اللجوء إلى المعطيات العلمية لتفسير الظواهر الطبيعية، يلجأ ماليك إلى فكرتي الدهشة والغموض. تُحلّق كاميراه فوق عشرات الأنهر والجبال والسماوات والبحار طوال ٩٠ دقيقة، في محاولة لإعادة خلق مشهدية بزوغ الإنسانية ثم تطوّرها عبر العصور، حتى وصول الإنسان الأول.

يتوغّل الفيلم داخل الخلايا الجرثومية حيناً، ثم يخرج إلى الأراضي الشاسعة. ما نراه هنا هو العبور المتواصل بين ما هو متناهٍ في الصغر (حبة تراب) وما هو متناهٍ في الكبر (الحياة، العقل البشري، الحبّ، الطبيعة). يحاول ماليك أن يكون عقلانياً، لكن تتغلب عليه العاطفة، مثلما تتغلب عليه أيضاً "تيكاته" التصويرية. ما استطعتُ فهمه من الفيلم برمّته، هو أنّ ماليك يجد حلاً وسطاً بين العلم والإيمان. في حين ترينا الصورة الانفجار العظيم الذي تستند اليه نظرية نشأة الكون، يناشد الصوت الخافت الخالق، أي الله. واضح أنّ ماليك لا يستطيع التخلّي عن أيٍّ منهما، وهذا - إذا تعمّقنا في التفكير - يوصلنا إلى ماهية السينماتوغراف نفسه: لقاء بين التقنيات والإيمان بشيء يمكن خلقه من العدم. هذا أكثر الأفلام قدرة على التأكيد أنّ رجلَيْ ماليك على الأرض ورأسه بين النجوم.

المونتاج هائل، كذلك الانتقال بين اللقطة القريبة وتلك الواسعة أو العريضة. التكرار، وهو من صميم عمل ماليك، يدور بنا نحو المناطق نفسها، مرات ومرات. ذريعة المَشاهد في ذاتها، ولا تحتاج إلى حجة تبريرية من الخارج لتأكيد حضورها. "رحلة الزمن"، قصيدة روحية يمكن اعتبارها امتداداً لبعض ما جاء في "شجرة الحياة" (مَشاهد الفضاء الخارجي). هنا، لا شيء يعوق ماليك، لا الحبكة ولا الرغبة في البقاء ضمن المقبول سينمائياً لصناعة فيلم روائي، فهو يطلق العنان لمخيلته بلا أيّ حسيب، لذلك فإنّ "رحلة الزمن" أحد أكثر الأفلام جنوناً وتمجيداً للحرية كمفتاح أساسٍ لكلّ إبداع. ونشأة الكون عند ماليك إبداع وفنّ قبل أن تكون علماً. تبقى اللقطات الدخيلة لناس من أنحاء مختلفة من العالم صوّرتهم كاميرا ذات نوعية رديئة. مَشاهد من فلسطين ومصر والهند. لا يعطينا الفيلم أيّ معلومات عنها: متشرّد في الغرب، احتفال ديني في الهند، معتصمون في ميدان التحرير... ما الرابط بين هذا كله؟ فقط ماليك ومونتيره يعلمان.

 

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard