البندقية ٧٣ - "المنطقة البرّية": بورنو اجتماعي يصدم القلوب الضعيفة!

6 أيلول 2016 | 12:16

المصدر: "النهار"

عَرْض فيلم آمات اسكالانتيه، "المنطقة البرّية"، في #مهرجان_البندقية (٣١ آب - ١٠ أيلول) ضمن المسابقة الرسمية أسّس لسوء فهم وحيرة عند بعضهم. هناك حتى صيحات سُمعت في الصالة مع صعود جنريك النهاية. والاستهجان الذي عبّر عنه بعضهم على الطريقة الكانّية (من مهرجان كانّ)، مفهومٌ، وعلى السينمائي الجريء من نوعية اسكالانتيه قبوله، لا بل توقّعه. فهو لم ينجز فيلماً وسطياً، باهتاً، مساوماً، بل ذهب إلى أقصى فكرته المتطرّفة، وأبعد منها حتى، مع إدخال عناصر تنتمي إلى علم الخيال الفانتازي في سياق نصّ واقعي اجتماعي. منذ فيلمه الأول ("دم" - ٢٠٠٥)، والمجتمع المكسيكي وتمزقاته في مرصاد اسكالانتيه، ولكن هذه المرة يحفر عميقاً في الجرح، لا يداويه بل يُلقي عليه ببعض السائل المسكّر. سينماه نية، قاسية، مزعجة، ليس للكلّ القدرة على هضمها.

نحن في قرية مكسيكية لا تمتاز بشيء مهم، سوى أنّه، كما يقترحه مشهد التمهيد، ثمة شيء في حركة الكواكب يثير الغرائز الجنسية. قد لا يكون هذا التوصيف دقيقاً ربما، ولكن هذا ما فهمناه في غياب أيّ تأويل آخر. أليخاندار هي الشخصية الرئيسية التي تدور عليها الحوادث. إنها أمٌ لولدين وزوجة رجل ذكوري يضاجعها من الخلف صباحاً بلا أيّ مشاعر. كم ستكون الدهشة كبيرة عندما نراه يمارس الجنس مع شقيق زوجته، طبيب مثلي نتابع في مَشاهد منفصلة تعرّفه إلى فتاة اسمها فيرونيكا بعدما لجأت إليه ليعالجها من عضّة كلب. وفيرونيكا هذه تعرّفت إلى حيوان لزج بأرجل وأيادٍ عدة يوفر المتعة الجنسية. أوكي، هذا كله كفيل بأن يضيع المُشاهد، وربما هذا هو المطلوب. إلا أنّ الفيلم يرسم قدر كلٍّ من الشخصيات بدقة بالغة. أما تداخل الكلّ بالكلّ تدريجاً، فهو مَيْل بلورته سينما أميركا اللاتينية منذ زمن، وهنا أحد أبرز تجلياته.

 

يبدأ الفيلم بمَشاهد عادية تكاد تكون سطحية ومكرّرة، إلا انها ضرورية للدخول إلى يوميات مَن يعيشون حياة روتينية، وفجأة تنقلب الأمور رأساً على عقب. ما يقدمه اسكالانتيه في هذا الفيلم المقطع إلى مَشاهد متوسطة الطول، هو إنزال تدريجي إلى جحيم العلاقات والخيانة والفساد والتفكك الأسري والهوموفوبيا والاجرام والكبت. شيئاً فشيئاً، تتصاعد حديّة السرد لبلوغ أقصى درجات التوتّر في النهاية. وكما هو متوقّع في أيّ فيلم لاسكالانتيه، لا حلّ ولا متنفس ولا أمل في الأفق؛ هكذا يرى المخرج مكسيكه المعاصرة، كومة خراب حيث الجنس مع كائن لزج يوفر ما لا يوفّره البشر. بين البورنو والدراما الاجتماعية، يترنّح الفيلم برغبة واضحة في الاستفزاز، ولكن من دون أن يقع في السوقية. مشهد "أورجي" الحيوانات، لا يوجد له مثيل. الواحد منا قد يقرص خده ليفهم إذا كان يحلم أو فعلاً يرى ما يراه.

نفهم أن يزعج الفيلم بعض القلوب الضعيفة: كاميرا اسكالانتيه تمسح كلّ ما تشمئز له الأبدان: دم، قيء، عرق. حتى في مشهد المطعم، نرى طبقات من اللحم الجاهز للأكل. يلتقط الفيلم بيئة العمال ما دون الطبقة الوسطى بقليل، ويُرينا ما هي قادرة عليه عندما تفقد السيطرة التي لا تشرعنها الأخلاقيات ولا الدين، بل الحاجة إلى حماية الذات. مرة أخرى، هذا فيلم عن المظاهر، ولكن علينا أن نعبر من كلّ ما يثير الريبة والقرف لنبلغ جوهر الموضوع. كان في ودّي القول إنّ "المنطقة البرّية" هو لهواة النوع فقط، ولكن يصعب علينا تحديد النوع. فلنعتبر أنّه من النوع الذي لا يريد الخير للمُشاهد.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard