البندقية ٧٣ - “المواطن الفخري”: جوهرة أرجنتينية عن الشهرة والنفاق ووهم الانتماء!

5 أيلول 2016 | 22:56

المصدر: "النهار"

من مفاجآت #مهرجان_البندقية السينمائي (٣١ آب - ١٠ أيلول) هذه السنة: "المواطن الفخري" للمخرجين الأرجنتينيين غاستون دوبرات وماريانو كون. هذه جوهرة فيلمية أرشّحها بلا تردد لـ"الأسد الذهب"، مدركاً عيوبها التقنية، فطابعها الـ"لو بادجت" واضح في غير مشهد. ولكن الخطاب الذي ينطوي عليه العمل شامل وغني وغير مستهلك، وفيه الكثير من الحقائق عن عالم الثقافة والشهرة، حقائق لا تجد عادة طريقها إلى الشاشة. مع بلوغ الـ"موسترا" منتصف الطريق (تُختتم السبت المقبل بتوزيع الجوائز من لجنة تحكيم يترأسها المخرج البريطاني سام مندس)، يمكن القول أننا أمام واحد من ألمع الأفلام المعروضة داخل المسابقة (٢٠ فيلماً)، يوفّر المتعة ويحضّ على التفكير.

كلّ شيء يدور حول شخصية دانيال مانتوفاني (أوسكار مارتينيز)، كاتب أرجنتيني في الستين من العمر، مشهور عالمياً وذاع صيته أكثر بعد نيله جائزة "نوبل" الآداب. بالتأكيد، لا حاجة للتوضيح أنّ الشخصية خيالية، فليس ثمة كاتب أرجنتيني نال هذه الجائزة. حتى بورخيس حُرم منها، وهذا ما يقوله كاتبنا العزيز على أيّ حال في مشهد لمّاح. يُفتتح الفيلم بلقطة نرى فيها دانيال وهو ينتظر في ردهة الأكاديمية الأسوجية لتسلّم الـ"نوبل". كلوز آب على وجهه يرينا إياه متوتراً. تتحقّق المفاجأة لدى صعوده المنصّة. فصديقنا يقدّم خطاباً نارياً يشرشح فيه الجميع. يقول ما معناه إنّ إجماع أكاديميين وخبراء وملوك عليه، يعني بالضرورة انتكاسة له، معتبراً أنه قضي عليه وانتهى أمره وصار جزءاً من الـ"استبلشمنت" الذي يوفر له وجوداً مريحاً. ثم يشكر القائمين على الجائزة لتنصيبهم إياه قديساً، وينسحب أمام دهشة الجميع التي تتحوّل تدريجاً إلى عاصفة من التصفيق. حتى كلامه هذا يحدث إجماعاً!

خمس سنوات بعد نيله الـ"نوبل"، يتلقّى كاتبنا دعوة من عمدة سالاس، مسقطه. هو الذي يعيش في برشلونة، وغادر بلده منذ ٤٠ عاماً. سالاس هذه، يبدو أنه أمضى حياته محاولاً الهروب منها وتفادي العودة إليها، مع أنه كتب روايات تدور حوادثها هناك. في مشهد معبّر، يجلس دانيال إلى سكرتيرته التي تقرأ له الدعوات التي يتلقاها باستمرار من كلّ أنحاء العالم، فيرفضها بلا تردّد. عندما تصله دعوة سالاس لتكريمه وتكريسه "مواطناً فخرياً"، يقبلها بعد تلعثم بسيط. فهو - وفق تحليلي للشخصية - لديه أولاً حسابات لم يصفّها بعد مع ماضيه. وثانياً، يعرف مدى تخلّف ووضاعة ونفاق المنطقة التي يأتي منها، ويريد تالياً أن يثبت لنفسه أنه كان على حق في مقاربته غير الإيجابية عنها في رواياته. وثالثاً، قد يكون في حاجة إلى وحي لرواية جديدة.

إقامة دانيال في سالاس واحتكاكه بناسها - هو الذي تركها شاباً يافعاً وعاد إليها رجلاً ناضجاً - من أكثر الفصول طرافة في الفيلم، وفي الآن عينه، أكثرها تضمنّاً لمشاعر الخبث والغيرة والضغينة التي ستكون عنواناً عريضاً في برنامج الدعوة. فالقرية المُهملة والمتروكة هي بالفعل نقيض طموح الرجل الذي لا ينكر إنه من هذا المكان الوضيع، لكنّ عولمة نظرته إلى الحياة، تصعّب عليه تقبّل العادات الريفية، منها عدم احترام الحيّز الشخصي. نراه يتجوّل بين الأحياء الوضيعة ويقيم في فندق يشبه "ديكور فيلم روماني"، كما يقول لسكرتيرته في اتصال بينهما. هو متحفّظ جداً في لقائه بالناس الذين يطبطبون على ظهره أو يأخذونه في الأحضان، يوقفونه في الشارع لتصويره بكاميراتهم المحمولة. هذا يدعوه إلى الغداء لتذوّق طبخ أمه، وذاك يطلب منه عشرة آلاف دولار لشراء كرسي متحرّك لابنه ذي الحاجات الخاصة. ثمة أيضاً مسائل أكثر شخصية: صديق طفولة، فتاة كان يحبها، حانوت الوالد... إلخ. كلّ هذا كليشيه بالتأكيد، ولكن يعرف النصّ الذي وضعه أندرس دوبرات كيف يوظّفها لمصلحة الفيلم.

 

طوال ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، سيدخل دانيال في معمعة مع ناس صلته الوحيدة بهم جغرافية لا وطنية. معظمهم سوقي وذكوري على نحو لا يُطاق. إنها المواجهة الأبدية بين الترييف والتمدّن الذي يمثله دانيال. فيكتشف من ضمن ما يكتشفه أنه، هو، الروائي ذو الشهرة الدولية، قد يكون "نكرة" في بلدته حيث الهوّة مع مواطنيه عميقة جداً. يصف الفيلم تلك العلاقة غير السوية بين الطرفين: دانيال من مَيْل وأهل الريف من مَيْل، وصولاً إلى الصدام الأكبر. في المحاضرة التي يلقيها، نرى جمهوراً أشبه بظلال؛ مجرد حضور جسدي لا يكترث لما يقال، ومع ذلك، يا للغرابة، لدى دانيال رغبة غير معلنة في أن ينزع الاعتراف من أهل مسقطه، وإن مسح أحدهم مؤخرته بصفحة من كتابه! في المقابل، تتماهى البلدة معه، وترى فيه نفسها. تكريمه ونصب تمثال له، هما بمثابة تعويض لأحوالها غير المتيسرة، كأنها تريد القول: "هذا الرجل الناجح من هنا". طبعاً، الأحداث تتأزّم كثيراً مع دخول الفيلم في منطقة حالكة وانطلاق الصراع الذي سيكون دانيال محوره. وبما أننا في عصر المقاربة السينيكية لكلّ حكاية وحدث وسيرة، فمن الطبيعي أن ينتهي كلّ شيء باكتشاف دانيال أنّ بلدته ليست الجنة، ولا يأتي بالضرورة من أفضل مكان في العالم، وربما هذا ما يجعله مطمئناً إلى خيار المغادرة الذي اتخذه عندما كان في العشرين من العمر.

يقارب الفيلم بنقد لاذع ظاهرة الشهرة كقيمة في ذاتها، ولكنه يتأمّل أيضاً في موضوعات عدة، منها مكانة الثقافة في مجتمع نامٍ، حيث تتحوّل في يد أمثال الـ"مديوكر" عمدة سالاس إلى واجب ومسؤولية وأشياء من هذا القبيل. والثقافة هي كلّ شيء إلا هذا. كما يقول دانيال: "أفضل سياسة لدعم الثقافة هي ألا تكون هناك سياسة"، معتبراً أنّ كلمة ثقافة لا يلفظها إلا الجهلاء، آتياً بذكر نموذج قبيلة في افريقيا لم يكن ثمة كلمة حرية في قاموسها، ببساطة لأنها كانت حرّة. ثمة كذلك سؤال آخر: ما هي الشهرة عند الكاتب، وهل هي عائق بينه وبين الكتابة الصريحة والنزيهة؟ يعتبر دانيال أنّ كلّ المظاهر الخاوية المرتبطة بالشهرة هي مصدر فشل لمشروعه الكتابي، نراه يحاربها، ولكن في الوقت عينه، يحتاج إلى الاعتراف ليستمر.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard