"ليلها المظلم" استمر 50 عاما... الام تيريزا قديسة "أفقر الفقراء"

3 أيلول 2016 | 09:36

المصدر: أ ب

  • المصدر: أ ب

 

بإعلانه قداسة الأم تيريزا الاحد 4 ايلول 2016، يكون البابا فرنسيس يكرّم راهبة حظيت بالمعجبين في كل أنحاء العالم، وفازت بجائزة نوبل للسلام تقديرا لتفانيها الممتلىء فرحا من اجل "أفقر الفقراء". كذلك، يشكل هذا الاعلان اعترافا بقداسة امرأة شعرت بان الله تخلى عنها، الى درجة انها عجزت عن الصلاة. وكانت مقتنعة، رغم ابتسامتها الحاضرة أبدا، بإنها كانت تعاني "عذابات جهنم."

طوال 50 عاما تقريبا، عانت الأم تيريزا ما تسميه الكنيسة "الليل المظلم"، او فترة من الشك الروحي واليأس والشعور بالوحدة، والتي اختبرها العديد من الصوفيين الكبار، بمن فيهم القديسة تيريزيا الطفل يسوع. وفي حالة الأم تيريزا، استمر "الليل المظلم" طوال معظم حياتها كراشدة- وكان نوعا من تجربة لها لم يُكشَف عنها من قبل.

لا احد، سوى مرشديها الروحيين والاسقف، عرف بعذابها الروحي، الى ان أُضِيء على مراسلاتها خلال رفع ملف تقديسها الى الفاتيكان. ثم وضعت في متناول الجمهور العام في كتاب صدر العام 2007 بعنوان: "Come Be My Light" (تعال كن نوري).

بالنسبة الى الاب كولوديجوك، الكاهن الكندي الذي نشر الرسائل، وهو المدافع عن قضية اعلان قداستها، يشكّل بوحها هذا تأكيدا اضافيا لقداستها البطولية. باعلانها قديسة، يكون البابا فرنسيس يعترف، في رأيه، بأنها لم تشارك الفقراء في الفقر المادي فحسب، انما ايضا في الفقر الروحي لأولئك الذين يشعرون بانهم "غير محبوبين، غير مرغوب فيهم، من دون رعاية."

"كانت تلك تجربتها في علاقتها بيسوع"، يقول في حديث معه في روما. "لقد فهمت جيدا عندما كان الناس يشاركون قصصهم المرعبة وآلامهم ومعاناتهم من كونهم غير محبوبين، وحيدين. كان في وسعها ان تتعاطف معهم، لأنها هي نفسها كانت تعاني ذلك."

"حقيقية للغاية"
المتوقع ان يشارك الاحد عشرات الآلاف في احتفال تقديس الام تيريزا، تلك الراهبة الصغيرة الحجم، المنحنية، التي عُجِّل في رفع ملف تطويبها بعد عام واحد فقط من وفاتها العام 1997. البابا الراحل القديس يوحنا بولس الثاني، بطلها الاكبر، اعلن تطويبها امام 300 الف شخص في ساحة القديس بطرس العام 2003.
البابا فرنسيس يجعل من تقديسها قمّة "يوبيل الرحمة" الاستثنائي الذي اعلنه لسنة 2016. مصلحته واضحة في تسليط الضوء على خدمة الأم تيريزا المليئة بالرحمة تجاه المنبوذين المهمشين، نظرا إلى أن عمل حياتها يمثل أولويات بابويته الخاصة. غير ان فرنسيس "يوجه ايضا رسالة أكثر دقة الى المؤمنين عبر تقديس تلك الراهبة وهي انه يمكن القديسين أن يكونوا غير كاملين. يمكن ان يتألموا، كما تألمت الام تيريزا، وحتى يشعروا بانهم ليسوا محبوبين من الله"، على قول إيناس أنجلي مورزاكو، أستاذة تاريخ الكنيسة في جامعة "سيتون هول" في نيو جيرسي، البانية هي ايضا، على غرار الام تيريزا.

وتضيف: "البابا يريد ان يلفت العالم الى هذا المحيط الوجودي الذي يتألم ويعاني التهميش". وتتدارك: "الأم تيريزا حقيقية للغاية. ليست منعزلة. ليست قديسة مثالية، او كاملة". على سبيل المثال، في الرسالة التي وجهتها في 28 شباط 1957 الى اسقف كالكوتا فردينان بيرييه اليسوعي، كتبت: "يوجد الكثير من التناقض في روحي. هذا التوق العميق الى الله عميق الى درجة انه مؤلم، والالم متواصل. وفوق ذلك، لست مُرادَة من الله، مرفوضة، فارغة، لا ايمان، لا حب، لا حماسة". وتضيف: "الجنة لا تعني شيئا. تبدو لي كمكان فارغ. التفكير فيها لا تعني لي شيئا. وفوق ذلك، هذا التوق المعذّب الى الله". "صلّ من اجلي، ارجوك، كي ابقى ابتسم له، رغم كل شيء".

في رسالة أخرى، اعترفت بأن ابتسامتها كانت "عباءة كبيرة تغطي العديد من الآلام." البوح بأن الابتسامة شكّلت قناعا لشكوك داخلية حول وجود الله غذّت الانتقادات ضدها، في طليعتها قول الراحل كريستوفر هيتشنز أن راهبة البلقان كانت نوعا من الاحتيال.

يوم بكيت الراهبات
يعتقد كولوديجوك ان الام تيريزا لم تكن منافقة. ويقول ان الابتسامة كانت محاولة صادقة وبطولية لاخفاء آلامها الشخصية، حتى عن الله، ولتفادي ان يتألم الآخرون اكثر. "يمكن أن تكون مبتهجا، حتى لو كنت تتألم، لانك في حالة قبول، ولانك تعمل وتتصرف بحب، هذا الحب الذي يعطي المعاناة المعنى".

غير ان ما باحت به الام تيريزا صدم حتى المقربين منها والأصدقاء، لاسيما الأخوات الاصليات اللواتي انضممن الى ارساليتها، "مرسلات المحبة"، بعدما أُلهِمت بتأسيسها العام 1946. ويقول كولوديجوك ان أخوات عديدات بكين عندما قرأ لهن رسائلها، بعدما حصل عليها العام 1998 من أرشيف اليسوعيين والأسقف في كولكاتا.

وتتذكر الأخت بريما، الرئيسة العامة الحالية لـ"مرسلات المحبة"، انها شعرت بالرهبة تجاه بوح الام تيريزا. وتقول انها لا تزال عاجزة، حتى اليوم، على ان تفهم تماما عمق ألمها. "استغرقني ذلك بعض الوقت، ولا ازال احتاج الى الوقت لافكر في هذا الموضوع وافهمه في شكل اعمق". "أعتقد أن الروح التي لم تختبر (الظلام) لن تكون قادرة على فهم ماهيته. انه بعض سر الحياة الروحية... نحن أمام لغز".

يقول كولوديجوك ان الظلام الذي اختبرته الأم تيريزا جزء مهم من دعوتها، وقد أُخفي عن العالم الذي لم يرَ سوى أم رئيسة حازمة، لكن محبّة. كانت أول من يصل الى الكنيسة كل صباح. وغالبا ما عملت الى الليل، حتى الارهاق، في سبيل هؤلاء الاشخاص غير المحبوبين في المجتمع". ويضيف: "ظلام الليل الذي اختبرته يشكل الجانب الوحيد الاكثر بطولية في حياتها".

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard