البندقية ٧٣ - "المسيح الأعمى" توقّف في أرض فقراء التشيلي

2 أيلول 2016 | 22:18

المصدر: النهار

مفاجأة "البندقية ٧٣" في أيامه الأولى: "المسيح الأعمى" (مسابقة) لكريستوفر موراي. قصيدة بصرية تخاطب العقل والقلب معاً، من خلال متتاليات حكائية تستلهم تجربة المسيح نفسه. إنها محاولة البحث عن معنى الدين وصفاء الإيمان، مروراً بسلسلة استعادات زمنية ومحطات تحملنا إلى سير مختلفة. رحالة مؤمن بقدرته على شفاء المرضى وخلق المعجزات، يجوب مناطق المهمشين المتروكين لمصائرهم في تشيلي. النصّ موحٍ جداً. يمكن تحميله الكثير ويمكن تحميله القليل؛ كلّ شيء يتوقف على مدى قابلية المُشاهد على تقبّل هذا النمط من الأفلام، وهو نمط ذو إيقاع متمهّل وتطوّر بطيء، ولكنه يفعل فعلته على المدى الطويل. الدين في قلب الفيلم وأحداثه، إلا أنه ليس وسيلة للتبشير، بل للتحريض على إيمان من نوع آخر، أكثر عقلانية ربما. إيمان لا تنظّمه السلطة الكنسية ولا تجمّله أفعال القدّيسين. إيمان يتيح عبادة الله من دون دوغما. هذا ما يدعو إليه شاب مكسور الخاطر ومتشبّث بمعتقده. هو الفيلم الأول لموراي إخراجاً، مع أنّه سبق وشارك في إخراج فيلم "مانويل دو ريبيرا". ألبرتو باربيرا، المدير الفني للبندقية، وجد فيه ما يذكّر ببازوليني. أنا ذكّرني بـ"المسيح توقف في ايبولي" لفرانتشيسكو روزي (١٩٧٩).

الحكاية إذاً عن مايكل (مايكل سيلفا). في مطلع الفيلم نراه وصديقه موريسيو في الصحراء. يطلب مايكل من موريسيو أن يدقّ مسماراً في كفه ويصلبه على جذع شجرة. ثم ينتظر إشارة من الله لن تأني إلا على شكل اشتعال نار، يخاله مايكل انتصاراً له، مؤمناً بأنّ الله يخاطبه عبر هذه الألسنة. ولكن، فقراء المناطق التي يجوبها، حيث الإيمان بكلّ شيء وأي شيء هو الملاذ الوحيد من التهميش والإهمال والاستغلال الذي يعانونه، ولا حول لهم ولا قوة، يسخرون من مايكل وأفعاله ودعواته. بالنسبة إليه، الله داخل المرء وليس فوق رأسه في الأعالي. خروجه عن المتعارف عليه في العقيدة المسيحية والمجاهرة به، خصوصاً لدى وصوله الى قرية يسجدون فيها أمام تمثال القديس لورنزو، يعودان عليه بالضررين الجسدي والمعنوي. مايكل من الذين لا يتناقض المنطقي عندهم مع الروحاني. وإذا كان الله قادراً على كلّ شيء، فلمٓ لا نكون قادرين؟ فيلمٌ يقول أشياء كثيرة، بعضها واضح وبعضها يبقى رهناً للتأويل. يترك موراي الكثير من مساحات الشكّ، خصوصاً في طرحه تلك القصص بصيغة العِبر التي يرويها مايكل لإقناع الناس بصواب رأيه.

يقول مايكل إنّ الدين شيء والإيمان بالله شيء آخر، وهذه فكرة لم يتم تكثيفها بما يكفي. كذلك دعوته التوجّه الى الله مباشره بدلاً من وكلائه على الأرض، وهي فكرة ثورية أيضاً. إلا أنه يعود ويضطلع بدور يوحنا المعمدان، ويعمّد الناس عندما يُمنح الفرصة. فمايكل في النهاية إنسان، والإنسان ضعيف أمام السلطة، وها إنه يستخدمها للوصول، ولو ناقض ذلك مبادئه. ثمة جانب انثروبولوجي ضئيل في تصوير البشر وعاداتهم والغبار الذي يلفهم. يتركنا "المسيح الأعمى" على أرض يابسة لا تصلح للزرع، لا يحصد الفقراء فيها سوى الخيبة. يجيد موراي تصوير لحظات وجدانية معينة، حيث الكاميرا تعانق السماوي والأرضي في حركة واحدة.

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard