الوداع الموجع للدكتور أحمد زين الدين وبقاؤه رغم السرطان

24 آب 2016 | 16:27

المصدر: "النهار"

(عن "فايسبوك").

ربما غَصّ الجوّ وكتم أنفاسه لأنّ عزيزاً ارتفع إلى السماء، فيُصاب الناظر إلى الأعلى بسؤال الوجود والطبيعة والتقلُّب. تلبُّد الغيم هو غشاء القلب الحزين حين تلمسه جمرات، وغيابُ الشمس في عزّ آب هو لمُدرك الخسارة غيابُ بهجة كون يحكمه الموت. أحمد زين الدين، وداعاً.

لم أقل للدكتور في كلية الإعلام والتوثيق بـ #الجامعة_اللبنانية (الفرع الأول) أحمد زين الدين أنني بكيت حين رأيتُ صوره عبر "فايسبوك"، والمرض قد هدَّ الجسد وأحاله على النحول والذوبان. لمحتُ يداً ترفع إشارة النصر وضحكة تقاوم الوجع، باستبداده ولعنته ونخره الروح والأعماق والعَظم، وعزيمة رجل بدَّل السرطان هيئته، لكنّه رغم العذابات قوّاه، فجعله عِبرة للآخرين، هو الذي طالما ترك خلفه العِبر كما ترك لحظة رحيله عطرَ النفوس الطيبة وجرح البشر الخيِّرين. تركتُ البكاء لي واخترعتُ من حيث لا أدري قوّة وكتبتُ لك.

سألني زميلٌ بالأمس "مَن هو الدكتور أحمد زين الدين، معشوق الناس عبر السوشيال ميديا؟ كلّما تنقّلتُ في "فايسبوك"، لمحتُ "بوستات" تقدير ووفاء ودعاء بالشفاء". قلتُ له إنّه أحد أكثر الأساتذة في كلية الإعلام الذين تفيد منهم ويتركون فيك المعلومة وحبّ المهنة، فتدرك ذلك مرّتين: الأولى في صفّه، هو الحيوي النشيط ممتلك أسهل الطرق إلى قلوب طلّابه، والثانية بعد التخرّج والوظيفة، فتتأكد مرة أخرى، بأن مَن أطلق خطاكَ كان عظيماً في ثقافته وبساطته وشغفه بالحبر والقلم والصحافة رغم الصعاب. تنهّد الزميل وأجاب: أسأل الله له العافية.

تألمتَ يا دكتور، تركتَ الجامعة باكراً، والحياة. السرطان لعين يحلّ على الأبدان فيسلبها تماسكها، لكنك كنتَ بمعنوياتكَ وضحكتكَ وإشارة النصر التي رفعتها أصابعكَ، غلّابه وإن قتلكَ؛ قاهره وإن قهر الزائل في كلّ بشري: الجسد. محبّة الآخرين نصركَ على المرض، ورجاؤهم، ومجاورتهم لكَ في البيت والمستشفى ولحظات الوداع. نعلم كبشر أنّ السرطان قد ينتهي بنا في المقابر. نعلم أنّه أحد ألغاز الوجود الإنساني، أحد مآسينا وأشواكنا ونيراننا وشعورنا بالخطر والخوف والكآبات. أنتَ يا دكتور أحمد، وقفتَ في وجهه كحال الشجر المغروس في الأرض، تبارزتَ معه كبطل، Survivor، لكنّ رياحه أتت سامة، تقتلع الأخيار من طينتكَ، وهذه طبيعة الخبث. أما أنتَ يا دكتور، فشاركتَنا آلامك من غير أن تشأ إجهاد أحد، كحال شاعر أو أديب ينثر عذاباته فيتلقّفها المرء، لا بالإكراه والشفقة، بل بصفاء القلب تجاه جبابرة الآلام الإنسانية وتوق الروح إلى تذكّر أنّ النهايات قد تحلّ فجأة وقد تمهّد لها الجلجلة، وجلجلتكَ يا دكتور كانت درباً إلى الخلاص؛ إلى الأعلى حيث الجواهر والنسائم والانعتاق.

استرحْ، فغياب الجسد المنهك لن يُنسينا عطاءات من القلب وإضاءات قدَّمتها للأجيال. لن يكون موتكَ حائلاً دون تمسّكنا بذكراك، بالحرف الذي علّمتنا إياه، بتصويب كلّ خطأ، بالانتقال بنا من نظريات الصحافة إلى الجَدّ والفعل والتطبيق. نريد لهذا الوداع أن يكون وفاءنا جميعاً لك. طلّابك ومَن خرّجتهم فأصرّوا على بناء اسم في الصحافة بفضلكَ وفضل أساتذة من نوعكَ، خلّاقين، حقيقيين، يؤدّون الرسالة بضمائر إنسانية فريدة وتجدُّد وموهبة.

أجدني أمام هول الموت معطوبة سريعة التكسّر، لكنّكَ يا دكتور ترفعني من البكائية إلى نظرة "عقلانية" لفراقنا الجسدي لكَ، وذلك مردّه أنتَ، صبركَ، إرادتكَ، تحمّلكَ الآلام، وضحكة وجهكَ الجميل، فبات الرحيل نجاتكَ وحاجتكَ إلى السكينة. محزنٌ هذا الغياب، ومؤلمٌ إذ يحلّ باكراً، فالجامعة والضمير الأكاديمي لم يكتفيا من حضوركَ، ولا عائلتكَ وأحبتكَ وكلّ الأوفياء. وداعاً.

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard