ريو الآثمة التي تتغذّى من البؤس البشري

10 آب 2016 | 19:29

المصدر: "النهار"

تتوه مدينة #ريو دي جانيرو السياحية، أو ريو إختصارا وربما تحبّباً، خلف ألوان البطاقات البريدية التي تصوّرها في ذروة الغبطة التي زيد إليها أخيراً الإحتفال الصاخب بألعاب أولمبيّة حطّت عندها للتو، هذا بينما تتقوقع ريو الأخرى المُثقلة بعبء فقرها وتهميشها، في مزيد من الصمت.

في غمرة النشوة الرياضية ذات البعد الكوني إختارت إحدى الوكالات الإخبارية البرازيلية الاستقصائية مقترباً مختلفاً لتورد خبراً موجعا مدّته بعنوان لا يتحايل على الواقع: "مئة حكاية ومئة عمليّة انتقال ومئة منزل دمرّتها الألعاب الأولمبية 2016".

لا مجال للمُداراة في حدث محليّ يتمحور على مئتين وستين عائلة تعرّضت للطرد من بيوتها كرمى الإفساح لإنشاء بنى الألعاب الأولمبية التحتيّة. وإذ يرِدُ في الخبر ان بعض المواطنين البرازيليين تأمّلوا مُتحسّرين هدم منازلهم فوق رتل ذكرياتهم، يضيف ان البعض نال فرصة الإنتقال إلى مساكن أخرى، ليظلّ الآخرون بلا مأوى.

صحيح أن الخبر مكث في هوامش الإهتمام وتفاوتت تفاصيله بين الرواية الرسمية وبين شهادات المعنيين، بيد ان قيمته تكمن في دفعنا إلى التمعّن في وجه العملة الثاني أي في ما يختبىء خلف واجهة ريو المبهرجة. يجبرنا على رؤية ريو "المدينة ذات العباءة القرمزية"، في حال استعرنا هوية رواية الكاتبة التركية أصلي إردوغان.

إردوغان من بين ثلة أقلام سمحت لسردها بأن يتسلّل إلى ما يخبو تحت سطح الأرض البرازيلية الراقصة، إلى عجوة العنف الفجّ والفقر القاسي، والحال انها فازت بحكاية جعلت كبار الكتّاب البرازيليين يقرّون بأن إسم مدينتهم، ريو دي جانيرو، بات مرتبطا بإسم إردوغان، على نحو غير قابل للفصل.
في روايتها المشغولة بالتفاصيل والمنقولة إلى العربيّة لدى دار "قدمس"، أتت إردوغان بنظرة طازجة الى مكان يعتاش من التسويق لأسطورته. وفي حين لم يكن هيّناً على الكاتبة أن تصل إلى ماهيّة بلاد مركّبة إلى هذا الحدّ وفّقت على نحو أكيد في فعل شيء من ذلك مستترة خلف صوت سيدة تركية بهوية أوزغور تصرف عامين من حياتها في المدينة محاولة إدراكها.

في "المدينة ذات العباءة القرمزية" التي نقلت إلى ألسنة عدة، يبدأ السرد من آخر يوم في حياة أوزغور، من هنيهة موت غير معلن، ليستمرّ في لحظات تهلكة عدّة، في مكان على صخب كثير يجعل الوافد إليه كمثل "غريق في وسط المحيط".
تحاول أوزغور التآلف مع المطرح غير انها تبقى estrangeira كما تشير، أي الأجنبية في عيون الجميع رغم مشاركتهم تعاستهم السرمدية. منذ يومها الأول في ريو تتلقى المرأة المولودة والناشئة في أرض "حمتها من إحدى مهالك الحياة ومن العمق المخيف الذي يمكن أن يبلغه البؤس البشري"، باكورة دروسها. لم يكن في وسعها تخيّل هذه الدرجة من البؤس، على ما نقرأ، غير ان حدساً قويا أنبأها بأنها "ستضيع في هذه المدينة التي تتغذّى من الألم البشري".

في الرواية تستحيل الأماكن الأثيرة خديعة فحسب. ها هي كوبا كابانا "أجمل مكان في العالم" تصير في كواليسها على نسق مطارح عدة سواها جاذبة للإثم.
يرقص مصير أوزغور على فوهة موت قريب جدا فيما يتوهّم انه ومن خلال محاذاة المرض والوسخ واختبار التضوّر جوعا، سيتطهّر من زؤان الماضي المريح.


roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard