وزير ألماني لم يوقفه الشلل السفلي عن نشاطه وأحلامه... هل يمنح لبنان فرصةً لأمثاله؟

7 آب 2016 | 16:16

المصدر: "النهار"

فولفغانغ شويبله، وزير المالية الألماني في حكومة أنغيلا ميركل منذ العام 2009 ، يمشي دائماً في طليعة الوفد الألماني عند تمثيل بلاده في أي اجتماع محلي أو قمة أوروبية سياسية كانت أم مالية.

تمكن شويبله (74عاماً)، الذي هو من ذوي الحاجات الخاصة، أن يبقى في الصدارة لأنه لم يولد في بلد كلبنان ربما. بعد محاولة اغتيال فاشلة في العام1990 قام بها مختل عقلي، لم يجبر شويبله، الذي لازمه الكرسي المتحرك في تنقلاته بعدإصابته بشلل سفلي، أن يبحث عن دور له في الحياة العامة والشأن السياسي كما حالالمنتسبين إلى إتحاد المقعدين اللبنانيين. هذاالفرق الشاسع بين شويبله السياسي والإقتصادي ورجل القانون بإمتياز والاتحاد بدا فاضحاً. كلنا واكبنا تحركات الاتحاد للضغط على المسؤولين لحضهم على تطبيق القانون رقم 2000/220 والذي تتحمل الحكومات المتعاقبة مسؤولية تجميد المسار التطبيقي له وتغييب من خلاله فرص عيش متكافئة ودامجة لمختلف فئات المجتمع في لبنان.

صديق لخصومه... وللحياة
تغيرت حياة شويبله رأساً على عقب عندما تعرّض لمحاولة قتل على يد مختل عقلي في 12 تشرين الأول 1990. سقط أرضاً في قاعة في مدينة مولهايم تجمع فيها 300 شخص للاحتفال بفوز هلموت كول بالإنتخابات في الحزب الديموقراطي المسيحي على خصمه الاشتراكي أوسكار لوفتين. وقع "الرجل الفولاذي" وحلت الفوضى في أرجاء المكان، نقل على عجالة إلى المستشفى مضرجاً بالدماء ليصحو بعد خضوعه لعملية جراحية مستعجلة، وهو يكرر على مسمع الأطباء أنه "بات لا يشعر بقدميه".

شويبله ليس السياسي الألماني الوحيد الذي تعرض لمحاولة اغتيال في 25 نيسان 1990. فقد تعرض أوسكار لافونتين، الذي كان مرشحاً لمنصب المستشار آنذاك عن الحزب الاشتراكي، إلى طعنة من مختلة عقلية خلال تجمع للحملة الانتخابية في مدينة كولونيا. لكن لافونتين نجا من هذه المحاولة وجمعتهما خبرة الموت رغم الخصومة السياسية بينهما.

لم يمنع هذا الحادث شويبله، الذي كان يشغل مهام وزير الداخلية، أن يستمر في نجاحات مميزة في مسيرته السياسية والنيابية وخياراته الحزبية. أضحى نموذجاً يحتذى به في ذكائه الحاد ومهاراته وكفاياته الفكرية وتحصيله الاكاديمي الاستثنائي، التي ساهمت كلها في بناء شخصيته ولا سيما بعد إنهائه دراسة المحاماة والإقتصاد في جامعة هامبورغ.

لم يعوقه الكرسي المتحرك من تثمين موقعه الحزبي حيث عرف بالرجل الثاني بعد كول في الحزب الديموقراطي المسيحي، والذي لم يتردد فيترشيح شويبله لمركز المستشارية خلفاً له. لكن الأمور ساءت بينهما بعدما أعلن شويبله بالفم الملآن عن فضيحة تورط الحزب في تبرعات سرية لم تخضع للضرائب في العام 1999 مما أبعده كلياً عن كول.

هذا البروتستانتي المحافظ واكب 10 حكومات متتالية. استمر في مهامه كوزير داخلية، رغممحاولة إغتياله، إلى العام 1991 بعدما كان سبق له أن تسلم بين عامي 1984 و 1989 مهام وزير بدون حقيبة وزارية وهو منصب في غاية الأهمية يوكل الوزير بمهمات خاصة جداً فضلاً عن رئاسته الحزب الديموقراطي المسيحي...

هذا شيء قليل من إنجازاته. لكن الأهم أنه لعب دوراً أساسياً في توحيد ألمانيا في العام 1990. ونقل عن الصحافي في جريدة "زود دويتشه تسايتونغ" هيربرت براتيل في مقال له أن لشويبله دوراً في تحقيق هذه الوحدة، ولولا دعمه لما وصلت إنغيلا ميركل إلى منصب مستشارة. يضيف الصحافي أنه الرجل الذي أثبت من خلال دوره في الحياة السياسية والإقتصادية الأوروبية أن ثمة فرصة لتخطي أزمة الأورو. كما كان له صلة وثقى، وفقاً للمصدر نفسه، في إيقاف إنهيار اليونان وتخطي قبرص بعض صعوباتها الإقتصادية إضافة إلى تعاطيه بمسؤولية مع واقع أزمة النازحين في ألمانيا وهذا ما جعله محط إحترام البلدان الأوروبية.

بين الحضور والتغييب
وصفته الصحف الأوروبية ولا سيما جريدة "زود دويتشه تسايتونغ" بأنه الخادم الأمين للدولة، وهو قادر على إمتصاص الاحتقان ورفض الإحباط. شبهه الكثيرون بالجراح المتمرس الذي يتمكن من إستئصال الورم، وهذا دليل على أنه دائماً يحب كما يردد أمام المقربين منه أن نوازي بين إدارة الأزمات وتشنج الأعصاب لنستشرف الحلول.

هذا الرجل، الذي فاز بلقب "مستشار أوروبا المالي" ، لا يتحدث عن حياته الخاصة وزواجه من إمرأة تعمل في الإقتصاد ولهما 3 أولاد. يتمايز بحبه للإجتماعات والمؤتمرات والإجتماعات الوزارية وسواها علماً ان البعض يدرك تماماً أنه يجالس مكتبه الخاص ليعمل ساعات طويلة. لكن الأبرز أنه يتمتع بشجاعة مميزة كثيراً لأنه رأى أن "البشر كلهم مقعدون"، مضيفاً "إننا نحن ندرك هذا الواقع أكثر منهم..." .

اللقيس
لنعد إلى واقع ذوي الحاجات الخاصة في لبنان ودورهم في الشأنين العام والسياسي. فقد رأت رئيسة إتحاد المقعدين اللبنانيين سيلفانا اللقيس في إتصال مع "النهار" أن طرحنا للسؤال عن فرصة متساوية لذوي الحاجات الخاصة مع ما وصل إليه شويبله هو سؤال يختصر المشوار في مرحلته الأخيرة. برأيها، العدالة التي نبحث عنها ويتوق إليها كل واحد منا لن ترى النور إلا من خلال قوة ضاغطة ينظمها المواطنون من أجل نشر مبدأ العدالة بين فئات المجتمع. أشارت إلى أنها مسألة طويلة الأمد وهي تبدأ من خلال تفعيل دور مؤسسات الدولة والمطالبة بتفعيل القانون.
ورداً على سؤال عن التوقيت المتوقع لإنصاف المسؤولين في لبنان لذوي الحاجات الخاصة، قالت: "هيدا اليوم راح يوصل ولكن للأسف بعدو بعيد"!!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard