كاظم الساهر في بيت الدين: القاهر!

6 آب 2016 | 18:07

المصدر: "النهار"

اختلطت "يدكِ التي حطّت على كتفي" بهواء #بيت_الدين وعذوبة "الغطيطة" في ليالي الصيف. "أسرعي"، أقول لصديقتي، والطريق إلى القيصر مكتظّة بالسيارات. الدولاب بالكاد يتحرّك، عكس القلب الخافق، ويا للحظ العاثر. وَصَلَتنا "يدكِ" من خلف أشجار بدأت تترنّح: نسائم من جهة، ودندنات رجل يحمل المرء إلى النجمات من أخرى. ملأ صوته الأرجاء، "تلك الجميلة كيف أقنعها، إني بها معجب، معجب، معجب، يدكِ"، والمتأخرون بسبب الزحمة في حسرة. مفسدةٌ البهجة سيارات لبنان. وصلنا، فكان علينا مجدداً أن ننتظر.

 

قاعدة المنظّمين تقول: عليكَ الانتظار على الدرج لانتهاء الأغنية ثم تتخذ مكانكَ، لئلا تزعجَ، أنتَ المتأخر، المستمتع على مقعده. عتبٌ وملامة ومحاولة تمرّد على النظام، ثم إذعان. وَصَلَتنا "أشعر بالبرد فغطيني، غطيني، وظلي قربي غني لي" ونحن في لحظة عقاب. احتجاجٌ آخر. لا جدوى. "زيديني عشقاً" بصوت #كاظم_الساهر ونحن على الدرج. "عصفورة قلبي/ نيساني/ يا رمل البحر/ وروح الروح/ ويا غابات الزيتون"، أيضاً على الدرج. بعد الصيحات، توقفت الموسيقى واتخذنا بمساعدة كشاف "التقدمي" المقاعد.

 

غنّى "لجسمكِ عطرٌ خطير النوايا"، وألقى "السلام على جسد كالخرافة، يفتح كالورود أجفانه"، ثم وصل إلى الكلمة المُنتظرة في القصيدة: "أحبّكِ". مرة ثانية: "أحبّكِ"، فلَمَس الجمهورُ السماءَ. وتعالت صرخة: "نحن أيضاً نحبّكَ". وكادت أن تُبحَّ الحناجر. الجمهور يريد كلّ الأغنيات. كلّ العواطف. كلّ ما يذكّره بالحب. يريد "المحكمة"، (غنِّها يا كاظم. غنِّ "حرِّر يديَّ سيدي القاضي" لأذهب، تقول سيدة، وتُصحّح الخطأ: "لا، لن أذهب"!)، ويريد "أشهدُ ألا امرأة أتقنت اللعبة إلا أنتِ"، و"بغداد" وكلّ الجماليات، و"ليلى". يعلو الصراخ: "ليلى، ليلى"، فيعلّق القيصر: "إنتو ما تِشْبَعون من ليلى؟"، ولكَ أن تتخيّل سيلان القلوب الجماعي. لا مفرّ. "ليلى" يعني "ليلى"، رغم أنّها غير مُدرَجة في البرنامج. وبعد "حبّكِ يا عميقة العينين، تطرّف، تصوّف، عبادة/ حبّك مثل الموت والولادة"، وبعد "يا قاسية المشاعر غادريني/ لقد دمّرتِ أيامي وعمري"، صدح الصوت بإحدى أروع القصائد: "أضعتُ في عرض الصحراء قافلتي/ وجئتُ أبحثُ في عينيكِ عن ذاتي"، (...) "خانتكِ عيناكِ/ في زيف وفي كذب/ أم غرّكِ البهرج الخدّاع مولاتي". تخيّلها من دون موسيقى. صوتٌ فحسب، وهواء يلفح الوجه وحضورٌ قلوبه في الأعالي. خمِّن ما فعله مقطع واحد من "ليلى" بهذا المدّ البشري (امتلأت المقاعد بالكامل). خمِّن ما فعلته "خانتكِ عيناكِ" وسط اكتمال الدهشة. لو غنّاها كاملة، لعدّل علم الجيولوجيا على الأرجح نظرياته، وفسَّر الزلازل بوَقْع بعض البشر على الخرائط.

 

تنتهي أغنية، فيتدفّق الحضور المتأخر بعد انتظارات الدرج. إنها العاشرة والسبع دقائق ليلاً، فحان وقت "أكرهها وأشتهي وصلها/ وأحبّ كرهي لها". غنِّ وأنتَ تقرأ: "أحبّ هذا اللؤم في عينها/ وزورها إن زوّرت قولها". اندفَعَ معجبٌ إلى المسرح يريد قبلة. لمس يد القيصر. قهر المسافات تجاهه. فتصدّى الأمن. تكرّر المشهد، وتكرّر التصدّي. لسنا مع الجدران بكلّ أشكالها، لكنّ الجميع يريد قبلة. جميعهن بالذات، وليس من العدل أن يُخمَد قلبٌ ويُحرَق قلبٌ آخر. كلّ القلوب سواسية وممنوع الاقتراب. سلّة ورد من بعيد وكفى. وإلا مَن يُقنع شابة أمامي بأنّ البعض ينام على الأسرَّة من غير قُبل. إثنتان سمحت جِيرة المقاعد بالتركيز على خطاهما، وعلى الملامح السعيدة والحنجرة المُصابة ببحّة لفرط التماهي في الأمسية. منذ انتظرنا باصات النقل من المواقف إلى المسرح، وثمة إحساسٌ بأننا والوجوه مصيرٌ واحد وحالٌ واحدة: هذه تسابق الخطى لتصل. هرولةٌ ثم ركض. وتلك تقرّ على الملأ بتوتّرها. "كاظم، انتظرني. لا تبدأ". والإثنتان أمامي ترقصان على غيمة، معذورتان على الفوضى. وفي الخلف عاشقان متعانقان يتوقان إلى نشوة. ثم جاءت "المستبدة" بعد انتظار. "النساء يطلبن المستبدة أكثر من الرجال. شو القصة؟ يعني تِعْتِرفون؟"، وأكمل مُدهِشاً ما تبقّى في المرء من لحظات: "قالت لكلّ الأصدقاء/ هذا الذي ما حرّكته/ أميرةٌ بين النساء". فلنغنِّ مع الاعتذار على الفارق في الأصوات: "إني أعاني إني أموت إني حطام/ حاشاكِ يا عمري أن أفكّر في انتقام (...) الويل لي يا مستبدة". نشاء أمام كاظم الساهر مبادلة القصيدة بالقصيدة، والشِعر بالشِعر، فيلجمنا خوفٌ من تغلّب الحماسات ومآسي المبالغة. رجلٌ غنّى "أخاف أن تمطر الدنيا ولستِ معي/ منذ رحتِ وعندي عقدة المطر"، يُنسينا أنّ الكتابة عقل. هي في حضرة القيصر ثلاثيٌّ مذهل: قلبٌ وروح وذوق، ثم عقلٌ يجمع المعادلات ويصفّيها كحال موج البحر الصافي.

 

"إنتو ما تتعَبُون؟"، يتساءل وقد بدا عليه بعض التعب. الجمهور بصوت واحد: "لاااااا". تصفيق. قبل الختام بمقطع من "قولي أحبّكَ كي تزيد وسامتي"، مع الشكر وتصبحون على خير، بلغ الوجد الذروة بأغنيتين: "هل عندكِ شكّ" و"أحبيني". "من أين أتيتِ وكيف أتيتِ وكيف عصفتِ بوجداني"، و"أنا رجل بلا قدرٍ، فكوني أنتِ لي قدري". سمّى "عيد وحب" أغنية "بسيطة" وغنّاها فتحوّل الجميع رغبات بشَبْك الأيدي في ساحة دبكة. وغنّى للبنان "مشتاق مشتاق وبصدري أنا أشواق". وما شكّل بهجة الكاظميين منذ الطفولة: "هذا اللون عليك يجنن يشبه لون عيونك". ارفع الصوت ولا تأبه فأنتَ لستَ أمام لجنة: "لو جمعوا لوحات العالم حتى الموناليزا/ ميزة بوجهك إنتَ الأجمل مَن يحمل هالميزة/ أحسن رسّامين العالم يتمنّوا يرسمونك". ليت المقالات تُختم بـ (❤).

 

fatima.abdallah@annahar.com.lb

Twitter: @abdallah_fatima

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard