ليل أعياد بيروت الأخير... اليسا الفنّانة تحوّلت الى عرّابة

5 آب 2016 | 21:23

المصدر: "النهار"

سجلات حياةٍ مليئة بما مضى، استعادتها أذهان زوّار أعياد بيروت ليل الرابع من صيف آب 2016. كلٌّ حمل معه عبق أيامه، وتوقه الى الاستماع الى جزءٍ من حكايته، في قالب أغنية أنسنها صوتها. وكأنها باتت راوية أو حكواتية أو عرّابة حياة، تسرد الأقاصيص في حفلٍ موسيقيٍّ صاخب، فتنشرها نفحةً من غبار نجمات فستانها الأسود في ضوضاء الازدحام. من أتى ليفرح بنصيبه في الحياة، كان له فسحة ملائكية. ومن جاء ليبكي، "آهٌ" واحدة من "آهات" صوتها الشهيرة، كانت كفيلةٌ بكيّ الجرح الذي يوجع. وكأن الانتقال من قمّة السعادة الى مملكة العذاب الجميل، رحلةٌ مزدوجة تصبّ في محطّة زمن، حفل اليسا بطاقة تذكرتها. لعلّ ذلك الفنّ يسمّى بـ"مرآة الإنسان". إنها قصّتي. وتلك قصّتك. وليلة زواجي سأرقص على أنغام أغنيتها. وما بها تقرأ أفكار حياتي فتغنّيها... إنه سرٌّ من أسرار النجاح، أن ينشد الفنان انعكاسات تجارب الحياة على الانسان. وكأنه يرسم لوحة في قلب الطبيعة. ويلتقط صورة بأبعاد لا تنتهي. أو يفنّد سيرةً ذاتية. يضاف الى ذلك ميزةً نادرة تحلّت بها دون سواها: إنها "آهُها". قلنا آهها، لأن أحداً لم يتقن فنّ الولع في سُلّم الآه ذاك، سواها. فانسمت أنها "آهها". في خضمّ الحفل غنّت اليسا على المسرح "آه يا زماني آه"، تلك كانت أحدث آهاتها الموجعة، التي استحقت أن تقصد مهرجاناً كاملاً لأجل انتظار الانصات اليها وحدها. هذه الجملة المعاتبة للزمان، التي صارت قدوة "مسجلات" سيّارات "شوفيريّة التاكسي" في بيروت. في طريقي الى ليلة أعياد بيروت الأخيرة، شاطرني سائق السيارة الأربعيني الحديث وقال: "اليسا في القمّة". كان يتمنى لو أنه يحضر الحفل. لكنه اكتفى بالشهادة، وتوصيف المكان من الخارج: "ليك شو جايي ناس". حشودٌ غفيرة توافدت حتّى الساعة العاشرة ليلاً. كلٌّ منهم أتى ليستمع الى قصّته.

كانت البداية، مع من أبت صاحبة "يا ريت" أن تدخل مدينة بيروت سنوياً من باب عالمها الأخاذ، فتعيدنا حقبات وحقبات الى الوراء، في لحظةٍ من صنع الحاضر. ريبيرتوار فيروز كان قد بارك افتتاحية حفلاتها في سنواتٍ مضت. وها هو يباركه مرّة جديدة، برائحةٍ من تراب وطنية. "حكيلي حكيلي عن بلدي حكيلي، يا نسيم اللي مارق عالشجر مقابيلي"، غنّت اليسا بحنينٍ نما في أوتار صوتها، وصفّق الحضور. وكرّت السبحة مع باقةٍ من الأغنيات الخاصّة والمجدّدة، التي استعادت أكثر من عقدٍ من النجاحات. "لو"، "عيشالك"، "بدي دوب"، "أسعد واحدة"، "لو فيي"، "يا ريت"، "خدني معك"، "موطني"، "لولا الملامة"، "خطرنا على بالك"، "نسم علينا الهوى"، "حلوة يا بلدي"، "أول مرّة"... وصولاً الى جديدها "سهّرنا يا ليل" التي غنّتها مرّتين، بعد ان اختارتها مسك ختام الحفل، فعلا صدى التفاعل في الأرجاء. وبين حنين الصوت وشجنه، والتمايل العفويّ كرقص فراشاتٍ على المسرح، وممازحة الحضور بين هنيهةٍ وتارة، مرّ الوقت سريعاً كلمحة فرحٍ، طوت عند انتهائها موسماً كاملاً عكس في كلّ انعكاس بروجيكتور، اصرار اللبنانيين على الحياة، رغم القتامة. قبل ساعاتٍ من موعد الحفل عند التاسعة مساءاً، كانت ادارة المهرجان قد اعلنت عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي أن التذاكر قد بيعت بالكامل. وان من يرغب في رؤية اليسا عليه الانتظار الى العام المقبل. اعادتني هذه الصورة الى كلام شوفير العربة التي اقلّتني الى مكان الحفل. كان يرغب في الحصول على بطاقة، لكن الوقت كان قد فات حينها. مازحته: "الكلام في هذه اللحظة لم يعد نافعاً. لا مزيد من البطاقات".

ما يميّز علاقة اليسا بمهرجان أعياد بيروت بالتحديد، هو في أنها كانت جزءاً من ولادته والرهان على استمراريته، هي التي صعدت على المسرح الذي كان مقاماً حينها في أسواق بيروت، وخاطت افتتاحيّةً من زمن فيروز، لا يزال صدى لحظتها يتردّد في أذهان كلّ من حضر آنذاك: "لبيروت... من قلبي سلامٌ لبيروت". وكانت مواسم الصيف تمرّ، وفي كلّ موسمٍ جديد، ذكرى جديدة تخبّؤها زوايا المسرح عن حفلاتٍ ستتحوّل في غضون سنواتٍ آتية، الى زبد فنّ الألفية الثالثة في لبنان. ستؤرشف ذكرياتٍ من ذهب في بلد الفنون رغم كثرة الشجون. وماذا بعد؟ شهرٌ واحد يفصل متذوّقي أقاصيص الحياة في مقطوعاتٍ موسيقيّة عن مجلّدٍ صوتيّ جديد، يضاف الى مكتبة اليسا الموسيقيّة. حكايا بشرٍ جديدة في صوت الحكواتية الحساسة، التي تأبى في كلّ مرّةٍ أن تعيش الحالة التي تنشدها، فتخالها مصابةٌ بما تتفوّه به حنجرتها. عناقيد دالية شهر أيلول ستأتي أكثر سكريّةً هذا العام... سينقل النسيم اليها همسات عنقائيّة عن الحب والاستمرارية وفلسفة الطباع الانسانيّة. همساتٌ تهوّن ثقل اللحظات الحزينة وتبارك ساعات الفرح... كأنها مرآة انسان.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard