الموضة في عصر الزي الموحد

1 آب 2016 | 17:54

المصدر: "النهار"

منذ القرون الوسطى حتى منتصف القرن العشرين كان لُبس الأزياء مُختصراً بالاغنياء فقط، ودائرة الاغنياء هذه توسعت شيئاً فشيئاً عبر الزمن من دائرة العائلات الحاكمة حصراً لتشمل لاحقاً النبلاء والتجار الكبار، وكان ذلك عبارة عما يسمى "costum made" أو قطع تفصيل مصممة ومخصصة لكل زبون، ما سمي لاحقاً بالخياطة الراقية او الهوت كوتور.

تتحول الأزياء موضة عندما تصبحُ القصات مع قماشِها رائجةً تنتقل للطبقات الوسطى والفقيرة، ويمكن أن نعرّف الموضة بأنها فن صناعة الأزياء الذي يشيعُ وينتشر. حتى نهايات القرن التاسع عشر كانت كل حقبة في الموضة تمتد قرناً تقريباً من الزمن، أما في بداية القرن العشرين فتقلصت حقبات الموضة الى عشر سنوات وإزدهرت دور الازياء والالبسة الراقية، ومع الثورة الصناعية تطوّرت صناعة الالبسة الجاهزة لتتفرّع من: الأساسية الى الفاخرة الى صناعة الجينز وصناعة تقليد الماركات .

في عصر التواصل الالكتروني صارت وتيرة الموضة سريعة جداً، فأمست صناعة الالبسة الجاهزة قطاعاً مهماً جداً وغلبت شركات الالبسة الجاهزة دور الازياء في الانتاج والانتشار وفي القصات والموديلات. لكن، وعلى رغم ذلك، حافظت دور الأزياء على دورها الريادي في انتاج الازياء، ومنها من اسس شركات ضخمة للالسبة الجاهزة الفاخرة ولحقت بها الشركات الاخرى تقلد وتستوحي من ابداع دور الأزياء والمصممين الكبار وأسابيع الموضة لتنتج موضة العام. وهذه الشركات المنتجة تراوح بين شركات البسة جاهزة فاخرة كشركة LVMH رالف لوران، غوتشي، آرماس وبالمن وغيرها، وصولاً إلى شركات التقليد من zara وجاك آند جونز و H&M الى شركات ضخمة صناعية تنتج ثياباً من دون علامات تجارية وتوزعها في العالم.

خضعت دور الأزياء أيضاً للعولمة وللعصر السريع الموحد ولكن بشكل محصور. ففي السابق كان المصممون يتسابقون في إبداعات تصاميمهم لتجسيد أزياء بلادهم، فكانت للتصاميم هوية وجنسية وثقافة شعب تستطيع من خلالها استنتاج جنسية المصمم، إذ إن الملابس في علم الانتروبولوجيا لغة تخاطب وتعبير عن الذات والشخصية والانتماء. اليوم جوزيف فونت المدير الفني لمجموعة "ديلبوزو" الاسبانية استوحى آخر مجموعاته من الكيمونو الياباني، وفالنتينو يستوحي من بلاد القوقاز الكشاكش والتطريز المزخرف العربي. وكذلك يستوحي مصممون عرب تصاميمهم  من الأزياء الفرنسية القديمة، وغمباتيستا يستوحي من الثراث الافريقي، وراي كواكوبو اليابانية صاحبة ماركة "كوم دي غارسون"، شكّلت مدرسة ثورية مضادة للموضة حطمت فيها كل معايير الموضة، أما المصمم اللبناني ايلي صعب فينتج مجموعة مستوحاة من فساتين القرن السابع عشر في اوروبا، وهكذا تحطم دور الازياء الحدود الثقافية والجغرافية.
يوجّه المصممون ودور الأزياء الموضة ويعرضون ابداعاتهم، مما يشكّل مجالاً للتبادل الثقافي وللابداع وملعباً للذوق الفردي. لكن في ظل التطور السريع والجارف الذي يشهده العالم، تبقى الشركات الضخمة ذات القدرات الانتاجية الكبيرة هي من تقرر الموضة لكونها تغطي كل أقطار العالم. فاختيار القصات يخضع للقدرة التجارية للموديل الواحد، ما حصرَ دور الأزياء في منع توحيد الذوق العام الذي تصنعه هذه الشركات المنتجة لموضة العصر اليومية والتي يلبسها الجميع.

يُنتج العالم اليوم أكثر من 150 مليار قطعة ثياب في السنة، لدور الأزياء ذات الشركات للألبسة الجاهزة الفاخرة والباهظة الثمن نسبةً أقل من 15% يستهلكها سكان العالم. أما البقية من السكان فيرتدون ما تصنعه لهم باقي الشركات  مُحاصرين بالذوق العام المفروض عليهم، فلا إمكان للذوق الفردي المقموع تماماً. فحتى الخيال والجهد الفرديان في المساهمة في انتاج الملابس الذاتية باتا معدومَين، فلا قدرة للمساهمة في تقرير الموضة الشخصية، وهي على الأقل لن تكون متوافرة في السوق. ويعتبر انتاجها صعباً لجهة الوقت والكلفة ومصادر المواد والخبرة في تقنيات الخياطة، ويصحّ هنا استخدام كلمة "مستهلكي الموضة"، فالعالم اليوم يستهلكُ ما ينتجُ له أياً يكن شكل المنتج من دون أي تدخل فردي أو عنصر رفض.

يمنع عصر التسويق "الماركتينغ" ولادة حالة رفض من المستهلك، ويكفي ان تسوّق هذه الشركات للقصة وأن تدفع للمشاهير ليرتدوا هذه القصات ليرتديها العالم بأسره، ولا شك في ان "الماركتينغ" يعمل على سيكولوجيا القطيع الاجتماعي والتعبئة.
نعيش رسمياً تحت سلطة هذه الشركات، إنه عصر الموضة الموحدة، عصر الزّي الشبه الموحّد عالمياً.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard