سلامة لـ"النهار": السريّة قائمة والليرة مستقرة والاصلاح ضروري

29 تموز 2016 | 16:38

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة

مجموعة أزمات تعصف بلبنان على أكثر من صعيد منذ أعوام، منها السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية وغيرها. ورغم كل هذه الظروف الصعبة، تمكن القطاع المصرفي من الصمود بشكل قوي في وجه الصدمات والأزمات المتلاحقة.إقرار الموازنة اللبنانية الغائبة منذ العام 2005 هي خطوة أساسية ومهمة جداً للإقتصاد اللبناني. فالموازنة تعطي رؤية ونظرة شاملة عن المستقبل المالي للبنان، وهذا الأمر يهمّ القطاع المصرفي الذي يعتبر المموّل الأساسي للقطاع العام رغم أن حصته تراجعت من الدين العام. كما ان إقرار الموازنة يؤدي الى إرتياح نقدي، بحيث تتضح صورة المؤشرات المالية بالنسبة الى السوق وأهمها العجز وحجم الانفاق، ويساهم تالياً في تنظيم عملية تمويل القطاع العام من المصارف بطريقة شفافة ومنطقية أكثر، وذلك بحسب حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة الذي يضيف: "هذا ما يهمّنا بشكل خاص، لكن الأمر غائب عن لبنان منذ العام 2005 ونأمل في أن تتكلل جهود الحكومة بإقرار الموازنة". وعلى صعيد القطاع المصرفي ومدى قدرته على الاستمرار في تمويل الدولة اللبنانية عبر الاكتتابات، يقول سلامة في حديثه إلى "النهار": "المصارف تتمتع بسيولة مرتفعة ولهذا السبب لديها القابليّة للإكتتاب بسندات بالليرة اللبنانية او بالدولار الأميركي، ولكن ما يحدّ من قدرة المصارف على توفير التمويل اللازم للدولة يتمثل بالحدود التي وضعتها مقررات ومعايير بازل (بازل 1 و2 و3)، وقدرة المصرف على تحمّلها للمخاطر السيادية. كذلك يشير الحاكم الى أن ما يحد ايضاً من عملية تمويل المصارف للدولة هو الاجراءات التي تتخذها مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية التي تربط بين المخاطر التي تتعرّض لها المصارف وبين المخاطر التي تواجهها الدولة. من هنا يمكن الاشارة الى ان غياب السيولة أو تراجع الثقة ليسا بالتأكيد العنصرين اللذين يحدّان من عملية التمويل. ويشير سلامة الى انه منذ العام 2009 وحتى اليوم، إنقلبت المعادلة في لبنان وأصبح تسليف المصارف للقطاع الخاص يساوي تقريباً مرة ونصف مرة تسليفاتها للقطاع العام، بينما كانت الصورة قبل العام 2009 مختلقة وهذا الأمر جاء نتيجة ما تمّ ذكره آنفاً.

التصنيف الائتماني
أبقت وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني على نظرتها السلبية تجاه القطاع المصرفي اللبناني للمرحلة المقبلة نتيجة استمرار انكشاف المصارف على الديون السيادية، ما يرفع مجدداً نسبة المخاوف حيال إمكان أن يشهد تصنيف القطاع في الفترة المقبلة مزيداً من التخفيض. وبحسب وكالة التصنيف، فإن استمرار تعرّض المصارف الى الديون السيادية اللبنانية يحمّلها مخاطر تهدّد جدارتها الائتمانيّة ويربط تصنيفها بالدولة اللبنانية. بدورها، خفضت وكالة "فيتش" الأميركية تصنيف لبنان الائتماني إلى (B-) مع نظرة مستقبلية مستقرة، وأفادت أن الحرب في سوريا تؤثر تأثيراً قوياً على الأداء الاقتصادي وتوقعات لبنان. كما حذّرت من أن الأخطار تتفاقم بسبب الحرب السورية والضعف البالغ للمالية العامة والأداء الاقتصادي الهزيل.
وتعليقاً على هذه التطورات، يقول حاكم مصرف لبنان: "بالفعل أبقت مؤسسات التصنيف على التصنيف ذاته مع نظرة سلبية. هذا التحفظ جاء نتيجة الواقع السياسي والأمني في البلاد، وليس من ضعف إمكانات الدولة لتمويل نفسها وتمويل دينها. لطالما حافظنا على قطاع نقدي متين، ومن هنا نستبعد إتخاذ وكالات التصنيف أي قرارات غير مشجعة في هذا السياق". ويتابع: "السوق تقوم بتسعير الفوائد في لبنان بما هو أفضل من التصنيف الذي تملكه البلاد. فالفوائد التي يطبّقها لبنان تساوي نسبة أعلى من التصنيف المحدد عند BB+ أو حتىBBB-. ونحن نرى أن الدول التي لديها تصنيف شبيه بتصنيف لبنان تدفع فوائد تتخطى الـ 10%، ولكن الاصلاحات ضرورية في لبنان على كل الصعد وليس على صعيد القطاع العام فقط، وذلك لحماية وضعنا من أي تخفيض محتمل لتصنيف ديوننا. وإنطلاقاً من إقرار الاصلاحات، يمكننا البحث في كيفية تحسين تصنيفنا الائتماني".
وفي سياق غير بعيد، أشار الحاكم الى أن العجز في ميزان المدفوعات يشكل مكمن ضعف الاستقرار المالي في لبنان. فقد حقق هذا الميزان في الربع الأول من السنة الجارية عجزاً بلغ 644 مليون دولار نتج من مدفوعات الدولة بالعملة الأجنبية. لكن ما يطمئن هو المستويات المرتفعة للاحتياط بالعملات الأجنبية لدى القطاع المصرفي ولدى مصرف لبنان.
الوضع النقدي والنمو
الليرة مستقرة وستبقى مستقرة، ومصرف لبنان يملك كل الأدوات الذاتية لكي يحافظ على الاستقرار النقدي، وفق حاكم المركزي الذي يعتبر أن سياسة المركزي كانت وما زالت وستبقى، المحافظة على استقرار العملة المحلية ونسب الفوائد. ويشير الى أن "لا حاجة لإتمام أي عمليات تحويل من الليرة الى الدولار لرفع مستوى الدولرة في السوق، كون الدولرة مرتفعة ومستقرة. لبنان مرّ في مراحل أصعب من التي نمرّ فيها، وتمكن المركزي من المحافظة على استقرار الليرة وسعر الصرف. رغم كل التشكيك الذي حصل خلال الفترة التي قضيناها في مصرف لبنان، بقيت الليرة اللبنانية عملة مستقرة والمردود عليها كان دائماً أفضل وإن بنسب مختلفة مقارنة بمردود الدولار الأميركي". وفي ما يتعلق بالفوائد يقول سلامة: "ستبقى مستقرة، والفوائد إستفادت من الهندسة المالية التي إتبعناها في مصرف لبنان. نحن لا نتدخل في السوق التي تشهد طلباً يفوق ما تعرضه الدولة اللبنانية من سندات، وذلك نتيجة السيولة المرتفعة. وبالفعل، يمكن التأكيد بأن السوق وجدت توازنها مع نسب الفوائد الحالية، ولكن هذا لا يعني أننا لن نتدخل إذا لاحظنا أي ضغوط على أسعار الفوائد".
ويتطرق حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى بعض الأرقام التي يتطلع إليها البنك المركزي لتقييم الوضع الاقتصادي الحالي: "نتوقع أن يحقق الاقتصاد اللبناني نمواً بنسب 2 في المئة في سنة 2016، فيما سينمو اقتصاد المنطقة بنسبة 3 في المئة وفق صندوق النقد الدولي. لذلك ونظراً إلى الوضع الحالي في لبنان، يعتبر المركزي أن هذا النمو مقبول نسبة إلى ما يجري في المنطقة العربية من أحداث. كذلك نتوقع أن تنمو الودائع بنسبة تراوح ما بين 4.5 و5 في المئة أي ما يوازي 8 مليارات دولار في سنة 2016، وهذا المعدل يعتبر كافياً لتمويل القطاعين العام والخاص. أما على صعيد التسليفات فنتوقع أن تنمو بنحو 5.5 في المئة عن العام السابق، مع توقعات بتسجيل الودائع المصرفية نسب نمو توازي نمو أرباح القطاع والتي تقارب الـ5% هذه السنة".
القوانين والمعاهدات الدولية
في ما يتعلق بأهمية التزام لبنان القوانين والقرارات الدولية وخصوصاً الاميركية منها، وإثر السجال الذي شهدته البلاد في الأشهر الماضية على خلفية القانون الاميركي الخاص بـ "حزب الله"، وكيفيّة تطبيقه من المصارف اللبنانية، يقول سلامة: "إنطلقنا من مصلحة لبنان اولاً، ومصلحة كل اللبنانيين من دون إستثناء. أصدرنا التعميم 137 الذي يحدد كيفية التعامل مع هذا القانون، فتبين لنا بالممارسة أن القطاع المصرفي الذي اعلن التزامه هذا التعميم، يتجاوب مع هيئة التحقيق الخاصة. والأهم بالنسبة الينا هو أن يبقى لبنان منخرطاً في العولمة المالية، لكون طبيعة إقتصاده بحاحة الى أن تكون لديه تسهيلات مع الخارج. وما يهمنا أيضاً هو أن يكون هنالك إنصاف في تطبيق ما طلب تطبيقه من خلال هذا القانون. أعتقد ان هذا التوازن هو الذي عالج الأمور وساهم في إستقرار الاوضاع الى حد ما". ويلفت إلى أنه "ليس هنالك ما نخبئه في الكواليس، فالتعاميم رسمية ويتم نشرها ونحن منفتحون على كل اللبنانيين. ليس لدينا أي موقف خلفيته سياسية، موقفنا هو فقط لحماية القطاع المصرفي اللبناني".
وكان مصرف لبنان قد أوضح انه وخلال إجتماع هيئة التحقيق الخاصة التابعة للمصرف المركزي، تم التوافق على المبادئ الأساسية التي ستتابع بموجبها، وعبر هذه الهيئة، تصرّف المصارف مع زبائنها بخصوص تطبيق التعميم 137. وبإستثناء الحسابات العائدة لأشخاص أو مؤسسات أدرجت أسماؤهم في اللائحة السوداء الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الخارجية في وزارة الخزانة الأميركية "OFAC"، تؤكد هذه المبادئ انه ينبغي على المصارف التي تريد إقفال حسابات مؤسسات أو أشخاص لأنها تعتبرهم مخالفة للقانون الأميركي أن تقدم التبرير لذلك قبل إقفالها، ويجب أن يتضمّن التبرير حركة الحساب (الوتيرة/الحجم). كذلك على المصرف أن ينتظر رداً من هيئة التحقيق الخاصة قبل قيامه بعملية إقفال الحساب. وإذا لم يبلغه الردّ خلال 30 يوماً، يتصرّف عندها المصرف على مسؤوليته. ويمكن أن تطرح المصارف وهيئة التحقيق الخاصة الموضوع على الهيئة المصرفية العليا إذا اقتضت الحاجة، علماً أن قرارات هذه الهيئة غير قابلة للمراجعة وفقاً للقانون اللبناني.
وفي سياق متصل، أكد حاكم مصرف لبنان أنه لم يتبلغ بأي لوائح أميركية جديدة صادرة عن وزارة الخزانة الاميركية أو أي جهة دولية في ما يتعلّق بأسماء للبنانيين أو شركات لبنانية تم إدراجهم في لائحة OFAC، مما ينفي المعلومات التي انتشرت في الآونة الأخيرة.
وبالنسبة إلى انضمام لبنان إلى اتفاق "غاتكا" الصادر عن المنتدى الدولي الخاص بإلتزام الدول تبادل المعلومات الضريبيّة بهدف محاربة التهرّب الضريبي في العالم، يقول سلامة: "ما فعله وزير المال علي حسن خليل عند توقيعه على إنضمام لبنان الى المنتدى الدولي الخاص بالتبادل التلقائي للمعلومات الضريبية في حلول سنة 2018 ، كان جيداً. هذا الأمر ستتبعه بالتأكيد ورشة عمل وسلسلة قوانين يجب إقرارها في مجلس النواب. لا شك في أن أهمية ذلك بالنسبة الى القطاع المصرفي كبيرة جداً، فالمصارف المراسلة لا يمكن أن تتعامل مع مصارف في دول ليست مرتبطة بالقوانين الدولية التي أقرتها OECD لذا يمكن أن تتعطّل عمليات التحويلات المالية والمصرفية من لبنان واليه في حال عدم توقيعه على الانضمام الى هذا الاتفاق". وعن مستقبل السرية المصرفية في لبنان في ظل التطورات الدولية الأخيرة والمعاهدات التي أجبر لبنان على توقيعها، يقول سلامة: "السرية المصرفية قائمة ولبنان مستمر في تطبيقها. لكن يمكن للسلطات المصرفية اللبنانية تمرير المعلومات التي يجب ان تمرّر من طريق هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان. هذا التبادل للمعلومات سيطاول ضريبياً المقيمين في لبنان والذين لديهم ارتباطات في الخارج. عدد هؤلاء محدود وسبق ورأينا أن عملية تطبيق قانون "فاتكا" لم تؤد الى تحوّل كبير في السرية المصرفية. فهذه السرية هي القاعدة في لبنان، والاستثناءات تأتي إمّا لمكافحة تبييض الاموال أو التهرّب من الضرائب. السرية المصرفية في لبنان مطلقة ولكن مع إستثناءات". ويعتبر الحاكم أنه ينبغي على مجلس النواب الانعقاد لإقرار سلسلة مشاريع قوانين مطلوبة من منظمة التعاون والاقتصادي والتنمية OECD لإبعاد خطر إدراج لبنان في اللوائح السوداء للدول غير المتعاونة في مسألة تبادل المعلومات الضريبيّة.

التحفيزات مستمرة
بعد الأزمة المالية العالمية التي اندلعت عام 2008 تغيّرت وظائف المصارف المركزية ومهماتها، إذ أقر العديد منها خططاً تحفيزية تقوم على ضخ السيولة لتدعيم القطاعات الخاصة. من هنا يقول حاكم مصرف لبنان: "يسمح استمرار استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية وقاعدة الفوائد لمصرف لبنان بمتابعة المبادرات التحفيزية التي أطلقها في المرحلة السابقة لتفعيل الطلب الداخلي وتنمية الاقتصاد اللبناني وتوفير فرص عمل". وهنا يؤكد ان ما يقارب 67% من النمو في الاقتصاد ناتج من رزم تحفيزية يطلقها المصرف المركزي. فقد أطلق هذا الأخير مبادرات عديدة وزاد إمكانات المصارف في دعم اقتصاد المعرفة، وتمّ لغاية الآن استثمار اكثر من 300 مليون دولار في هذا القطاع منذ أن اصدرنا التعميم 331. الشركات التي انشئت تعدّت قيمتها 700 مليون دولار، وفي فترة سنتين فقط، فالإقتصاد الرقمي مهم جداً لمستقبل لبنان". ويضيف الحاكم: "إنطلاقاً من الصلاحيات المعطاة لنا، نقوم بتحفيز الطلب الداخلي بعدما انخفض حجم السيولة في المنطقة عموماً وتراجعت فرص العمل للبنانيين. وهذا الامر نجم عن الازمات الامنية والسياسية وجاء أيضاً نتيجة تراجع اسعار النفط عالمياً. من هنا، إتخذنا هذه التدابير التي تساهم في توفير فرص عمل للجيل الجديد.
ويشير سلامة الى أن الخطط التحفيزية التي تمّ إقرارها لا تساهم في رفع نسب التضخم ولا تهدّد إستقرار سعر صرف الليرة. ويمكن ان يستمر المركزي في ضخ السيولة في السوق، مع تأكيده أن أولويات مصرف لبنان تبقى في الحفاظ على الاستقرار التسليفي والنقدي في البلاد، ومراقبة نسب التضخم التي لا تتعدى 1% أو في أقصى الحالات 2%. ويلفت إلى أن "مصرف لبنان وضع بتصرف الإبداع الفني اللبناني قروضاً تصل قيمتها الإجمالية إلى 180 مليون دولار بفائدة 1 %، وتمكن القطاع المصرفي من تمويل الإنتاج اللبناني بفوائد منخفضة، وذلك نظراً إلى أهمية هذا القطاع الذي يحتاج إلى تطوير.
وينهي الحاكم حديثه بالقول: "سنسعى دائماً وبكل ما أتيح لنا من أدوات وصلاحيات، لمنع إفلاس اي مؤسسة لبنانية في لبنان لأسباب ظرفية، ومن هنا تأتي التعاميم التي نصدرها لمساعدة هذا الاقتصاد في الاستفادة من السيولة المرتفعة.

maurice.matta@annahar.com.lb

twitter: @mauricematta

 

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard