ذبحُ الكاهن روّع المسيحي وعرّض المسلم للانتقام: لمحاربة فكرٍ وتراثٍ يكرّسان العنف

27 تموز 2016 | 16:17

المصدر: "النهار"

لا تزال فرنسا في عين العاصفة، فقد ضربت بالأمس كنيسة سانت اتيان دو روفريه شمال غرب البلاد، وكانت حصيلتها هذه المرة كاهناً يقيم قداساً، سقط في نهر الدماء الذي اجتاح بلاد الغرب. أمام المصلين ذبح جاك هامل، في مشهد جنون "داعشيّ" جديد، أرعب المصلين وصدم المسيحيين والمسلمين، فالارهاب لم يعد يعرف حواجز ولا يقيم وزناً للرموز، يضرب باسم الدين في الصميم.

لم تكد فرنسا تلملم جراحَها من العملية الارهابية السابقة حتى تلقّت ضربة جديدة، ورغم بحثها عن دواء شافٍ للفيروس القاتل الذي يهدّد أجواءَها، الا انها أثبتت الى الآن فشلها في منع ظهور عوارض المرض "اللعين" الذي يقضي كل مرة على مجموعة جديدة من الفرنسيين، من "شارلي ايبدو"، الى محيط ملعب "ستاد دوفرانس"، الى نيس، الى كنيسة "سانت اتيان دو روفريه"، وغيرها مما ينتظر فرنسا وساكنيها اذا استمر تفشي الارهابيين فيها.

لماذا #فرنسا؟
لفرنسا النصيب الأكبر من العمليات التي خصها بها الارهابيون، وهي على رأس قائمة أهداف "داعش" في الغرب، ما يطرح سؤالًا عمّا ارتكبته تلك الدولة ليُصَبَّ عليها حقد "التنظيم"، عن ذلك اجاب رئيس المنتدى العالمي للأديان من أجل السلام غالب بن شيخ، والمقيم في باريس، فقال "سببان يقفان خلف ذلك، اولهما ان فرنسا تضم الشريحة الإسلامية الاكبر في اوروبا، فهناك 6 ملايين مسلم من أصل 64 مليون نسمة فيها (10 في المئة من الشعب)، ثانياً هو تصميم الرئيس الفرنسي فرانسو هولاند على استئصال داعش من العراق وسوريا عدا عن الحملة في مالي، ولا ننسى ما قام به نيكولا ساركوزي في ليبيا، ما دفع التنظيم للانتقال إلى عقر دار الكفرة والاعداء والصليبيين على حسب قوله".

بين المطرقة والسندان
"ذبحُ الكاهن، رسالة ترويع ومحاولة زرع الهلع في قلوب المسيحيين، وتعريض المسلمين لعمليات انتقامية تطبيقاً لاستراتيجية الدولة الإسلامية التي احتجزت كلمة "إسلامية" وعبارة "الله أكبر". اليوم يجد المسلمون أنفسهم بين مطرقة داعش وسندان كراهية وبغضاء الكثير من المواطنين داخل المجتمعات الغربية وخاصة فرنسا". والمسلمون، بحسب ما قاله بن شيخ لـ"النهار" "يجنون ثمار تخاذل الأئمة والمشايخ ورجال الدين ورؤساء الجمعيات الذين توافقوا في خطاب ديني ايديولوجي يكرّس العنف، ويقدّس ما يسمّونه في مفهومهم الجهاد الأكبر والمقدس. نعم ما يحصل ينعكس سلباً على صورة الإسلام وهذه الاعمال الشنيعة لها تداعيات وخيمة على الشريحة الإسلامية داخل أوروبا وفرنسا خاصة، فقد استبيحتْ كل المقدسات بعد ذبح رجل الشرطة امام ابنه وزوجته، وبعدما دهس شعب كان يحتفل بعيده الوطني، والآن بعد ذبح راهب داخل الكنيسة وهو يُقيم قداسه. هذا كله أثّر كثيراً على المجتمعات الغربية التي لم تتعوّد على الهلع". ولفت "اذا ذبح رجل دين في كنيسته فإن الإسلام ذبح، واذا قتل رجل امام زوجته فإن الإسلام قتل".

رحِم "#داعش"
"داعش" بات معضلة حقيقية واي معضلة لها عوامل داخلية وخارجية بحسب بن شيخ الذي لفت "فيما يتعلق بالعوامل الداخلية، هناك انحطاط فكري داخل المجتمعات الإسلامية، وغياب للديمقراطية والحرية. وللاسف الشعوب العربية المسلمة ضيّعت فرصة الالتحاق بركب الحضارة، أما العوامل الخارجية فتُختصر بإمبريالية الغرب، وعدم انصاف المسلمين واعطائهم حقوقهم منذ اكثر من قرن. فداعش وليدة سياسة جورج بوش في العراق، والديكتاتوريات في فرنسا واوروبا حيث نرى ان التهميش والفقر والعنصرية دفعت العديد من الشبان الى الانخراط في صفوف الذين يتكلّمون عن الدولة الإسلامية والخلافة والتراث اي الى داعش".

صورة مشوهة
صورة الإسلام تتشوّه أكثر فأكثر في الغرب، "كنا ننتظر تنامي العداء للمسلمين بعد حادثة شارلي ابيدو، لكن لم تزد نسبياً. اما بعد اعتداء نيس والصدمة الكبيرة بذبح راهب في كنيسته، فكلنا نخشى ان تتصدع الوحدة الوطنية، وعندها سيتنامى العداء والانتقام من المسلمين". فكيف السبيل الى إظهار صورة الدين الإسلامي على حقيقتها؟ ردّ بن شيخ أن "ذلك ممكن من خلال أصعدة عدة، أولًا القيام سريعًا بمظاهرات عارمة تندّد وتشجب كل عمل ارهابي باسم الإسلام، ثانياً الدخول في معركة الاعلام لتوضيح ماهية الدين الإسلامي الحقيقية، وثالثاً على المدى البعيد، لا بد من إعادة النظر في الفكر اللاهوتي والفلسفي والرجوع الى الأدبيات والأخلاق ودخول العصرنة والحداثة، فهناكَ فكرٌ ضيق وتراث يكرّس العنف، وعلينا الخروج من الخزعبلات وكتب الغزوات والسِّيَر وغيره من الكلام الذي لا علاقة له بالقرن الواحد والعشرين".

ضعف استخباراتي-أمني
كل مرة يُظهر التنظيم ان لديه قدرة على التخطيط والتفيذ بسهولة، فهل بات قوّة لا تردع ام أن المخابرات الفرنسية ليست على قدر المسؤولية؟ عن ذلك ردّ بن شيخ "الشعب الفرنسي معتاد على الحرية، ويستحيل ان نرى وراء كل كنيسة او معبد يهودي او جامع جيشاً للدفاع عنه. كما ان اعداد الارهابيين في ازدياد بعد التواصل بعضهم مع بعض عبر الانترنت، ما يجعل امكانية مراقبتهم وضبطهم معضلة تحتاج الى حلّ، وإلى ذلك فالمجتمع الفرنسي هشٌّ من الناحية الأمنية، وهو مأخذ لليمين المتطرف وحتى الجمهوري على الحكومة".

مصير "الاخطبوط"
اجتمعت جيوش العالم من أجل قطع أذرع "الاخطبوط"، لكن التنظيم يثبتُ الى اليوم انه قادرٌ على تجاوزِ الخرائط، والضرب بيد من حديد اينما وكيفما يريد، فهل سنشهد في المستقبل تناميًا لـ"الدولة الإسلامية"، ام أن الانهيار هو مصيرها الأكيد؟ هناك "قراءتان للموضوع، الأولى متفائلة تقول إنه اذا زاد الشيء عن حده انقلب الى ضده، فعقلية داعش الوحشية ستدقّ ناقوس نهاية هذا التنظيم الارهابي، ورأينا كيف اندثرت البولشفية والشيوعية بعد ثمانين عاماً، وذلك مسألة وقت، اما القراءة المتشائمة فتقول إنه ما دامت الدكتاتوريات مسيطرة في العالم العربي، وما دامت المجتمعات الغربية غير منصفة للاقليات ستتغذى قاعدة داعش من هؤلاء".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard