جبال الألب البحرية الثانية في تصدير "المجاهدين" ونيس في مصيدة "داعش"

20 تموز 2016 | 12:18

تعددت أسباب المجزرة في مدينة نيس"الفرنسية أو الاعتداء في ولاية بافاريا الألمانية أو في لينكوشر البريطانية والنتيجة واضحة: العالم كله من شرقه إلى غربه رهينة في قبضة "داعش". لم يتأثر العالم الأكاديمي والثقافي في الغرب بمنهجية الصمت المخزي الذي اعتمده البعض من القادة العرب والمثقفين تجاه "داعش" وأخواتها. ويشهد الشارع الفرنسي والألماني والبريطاني مبادرات مسؤولة لجمع شمل الشباب والشابات المضلّلين لتنظيم يحتكر ثقافة الموت.

بشكل واضح، يعترف بعض الباحثين الأكاديميين أن أوروبا وأنحاء أخرى من العالم قلصت من خطر امتداد "داعش" على أراضيها. اتهموا أيضاً أن هذه الحقيقة، التي نسجها بعض الغربيين في خيالهم، ترافقت مع ترك هذا التنظيم ينشط ويتوسع على مرأى من العالم المتطور ومسمعه.

نيس في مصيدة "داعش"
كشفت جريدة "لو باريزيان" الفرنسية في عددها الصادر في 15 تموز أن جبال الألب البحرية تحتل المرتبة الثانية في "تصدير" المجاهدين إلى معاقل تنظيم "داعش" في كل من سوريا والعراق. ويبدأ حبس الأنفاس خلال قراءة هذا التحقيق خصوصًا عندما يشير المقال أن المتخصص في الشؤون العربية جيل كابيل ذكّر العالم أن البروفانس كوت دازور هي الوجهة الأولى التي يعتمدها الفرنسيون للانضمام إلى صفوف منظمات إرهابية.
ولا يتوقف الموضوع عند هذا الحد، بل يضاف إليه تغريدة الصحافي في راديو فرنسا الدولي دافيد تومسن الذي نبّه فيها أن " نيس هي من أكثر المدن الفرنسية التي ترك "داعش" أثرًا فيها".
من هو عراب هذا الأثر؟ لعب عمر ديابي المعروف بعمر عثمان السنغالي الأصولي والفرنسي المنشأ دوراً رئيسياً في استقطاب الفرنسيين للانضمام إليه في سوريا عبر برامج متنوعة بثها على الإنترنت. عاش عثمان في شمالي نيس قبل أن يتوجه إلى سوريا ليدير كتيبة تابعة لـ "جبهة النصرة" لكنه بقي على تواصل مع "ناسه" حيث بث دورياً مجموعة من الأفلام الخاصة عن التنظيم وعمله في سوريا. فانجذب نحو 100 ألف شاب وشابة فرنسية إلى العالم الافتراضي، واقتنعت مجموعات منهم بالسير على خطاه والتوجه إلى سوريا.
حاول عمر عثمان تضليل الرأي العام، وفقاً للمطبوعة المذكورة، من خلال إعلان خبر وفاته. لكنه ما لبث أن ظهر في أحد الأشرطة التي بثّتها قناة" فرانس 2" والذي جدد فيه بيعته لـ "النصرة". لا يتوقّف المقال عند هذا الحد، بل يرصد بعض النماذج لأتباع عثمان، التي نتج عنها توجه 19 شاباً يافعاً من حيّ واحد في جبال الألب البحرية إلى سوريا. وثمة حادثة أخرى، وفقاً للمطبوعة ذاتها، أن رئيس مجلس منطقة بروفنس - آلب-كوت- دازور كرستيان استروسي، الذي شغل مهام رئيس بلدية نيس السابق، حمّل الدولة الفرنسية وحكومتها مسؤولية عدم مراقبة هذه الظاهرة في المجتمع، وقد نتج عنها مغادرة 11 فرداً من عائلة واحدة في المدينة للانضمام إلى القتال مع "#داعش" في #سوريا.

حلم الشهرة... والبطولة
لن نبرّر هذه الرغبة في التغيير بحلم المغامرة أو حتى إيجاد مورد رزق ثابت لوضع حد للبطالة. لكن ما هو أكيد أن بعض أطباء النفس في فرنسا يسعون – رغم صعوبة الأمر- إلى ردع بعض الشباب والشابات عن الانتساب إلى "داعش" أو تنقية عقول العائدين منهم .
وتشكّل خبرة البروفسور في علم النفس في جامعة نيس باتريك آمويال في هذا المجال خير دليل. فقد جهد آمويل الذي لقب بالطبيب النفسي لـ"داعش"، إلى تخصيص جلسات علاج نفسي لكل فرد من الفرنسيين العائدين إلى وطنهم الأم، وهم على اقتناعات تامة بمجمل الموروثات الثقافية والسلوكية الاجتماعية التي يرسّخها التنظيم في عقولهم".
أشار إلى أنه أراد قياس مستوى اقتناعاتهم بفكر "داعش". لذلك، قام بإبلاغ كل واحد منهم عن تفاصيل الحوادث الدامية، التي وقعت في 13 تشرين الثاني 2015 في فرنسا، ليلاحظ أن معظمهم رسموا الابتسامات على وجوههم وعبّروا عن رضاهم الكامل لما قام به "الداعشيون" في هذا اليوم.
لا شك في أن الجامع المشترك بين انتحاريّي "نيس"، بافاريا ولينكوشر، هو كما نشرت المتخصّصة في علم النفس العيادي جويل دييان في مجلة "بسيكولوجي"، يكمن في واقع جيل شاب في "داعش" يتأثر بعالم الراشدين في التنظيم، الذين يرفضون الخضوع للواقع المخيّب المحيط بهم.
شدّدت دييان أن هذا التفاعل بينهم وبين الآخر الأكبر سناً يرسخ عند الجيل الشاب واقعاً "على قياسهم". وبرأيها، يدركون أن كسر هاجس هذه الخيبة لا يختم بشخصهم بل يترجم عملياً في رغبة في تغيير العالم الخارجي من خلال محو أثره. وفقاً لها، أنهم يفسحون المجال لولادة بشر صالحين وفقاً لاقتناعات التنظيم "الداعشي".
وتوقفت أيضاً عند نظرتهم إلى الانتحاري الذي برأيهم استطاع عبر تفجير نفسه أو ما شابه أن يمحو ماضيه المليء بالخيبات واليأس والاضطرابات النفسية ليصبح عبر التغطية الإعلامية للحدث، الشخصية الشهيرة أو البطل الذي اخترق عالم الشهرة بعد عيشه مهمشاً ومنسيًّا بين عائلته ومحيطه.
ترتكز النظرة الشمولية لهذه الظاهرة لدى المتخصّصين في العلوم الإنسانية بأنها ترى في "داعش" مجرد تنظيم يطمح في ضرب القيم الإنسانية بكل تفرّعاتها. وينفّذ هذا المبتغى من خلال نماذج مهمشة، تحلم بالفردوس أو تتناول الكبتاغون لخلق حوافز مشجعة للانتحار الجماعي... من أجل التغيير.

 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard